رد مجلس الأعيان على خطاب العرش في الدورة العادية الرابعة لمجلس الأمة الثالث عشر
نسخة للطباعةارسل هذه الصفحة

رد مجلس الأعيان على خطاب
العرش السامي في افتتاح الدورة العادية
الرابعة لمجلس الأمة الثالث عشر

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على رسوله العربي الهاشمي الأمين

صاحب الجلالة الملك الهاشمي عبدالله الثاني بن الحسين المعظم

أعز الله ملكه

يتشرف مجلس الأعيان بتقديم الشكر لجلالتكم لتفضلكم بافتتاح الدورة العادية الرابعة لمجلس الأمة الثالث عشر بخطبة العرش السامي الزاخرة بالرؤية المستقبلية الشاملة للنهوض بالوطن والأمة التي ميزت عهدكم الميمون وشخصكم الكبير، الغالي على قلوب كل الأردنيين والعرب المخلصين لوطنهم وأمتهم. يأتي انعقاد دورة مجلسنا هذه ونحن نواصل بقيادة جلالتكم مسيرتنا الديمقراطية ونرسخ دعائمها على أسس تستلهم معاني التاريخ العربي المجيد وتأخذ بروح العصر وتتجه نحو آفاقه وصولاً بها إلى تحقيق أهداف شعبكم الأبي وطموحاته في التنمية الشاملة والحياة الحرة الكريمة.

إن التنمية الاقتصادية الصحيحة لا تحقق أهدافها إلا بالتنمية الإنسانية التي تتفتح في ظلها المواهب الخلاقة وتنمو وتزدهر، وبتحديث مؤسسات الدولة وأجهزتها ووضع القوانين والتشريعات التي ترتقي بها وبقدرتها على الأداء والإنتاج.

صاحب الجلالة،

إن تنويهكم الكريم بإنجازات مجلسنا في سن التشريعات والقوانين لهو وسام على صدر كل منا وحافز على المزيد من الإنجاز والعطاء في ظل قيادتكم الحكيمة التي ترعى تعاون السلطات الثلاث وتآزرها وتكاملها لما فيه مصلحة وطننا الحبيب ومواطنيه الذين يلبون نداء جلالتكم في كل ميدان وخصوصاً في تعزيز المؤسسات الديمقراطية من خلال الإقبال على ممارسة حقهم الدستوري في الاختيار الحر الواعي لممثليهم. وما حثكم المواطن على حسن الاختيار إلا دليل ساطع على حبكم الصادق لشعبكم الوفي وحرصكم على المصلحة الوطنية العليا ودفع مسيرة النماء والمشاركة الشعبية الفاعلة فيها. فالرؤية الوطنية المخلصة الواعية كفيلة بحماية المنجزات التي حققها الوطن عبر العقود الماضية وبتحصين المناخ الوطني العام وإشاعة التفاؤل وتعزيز الثقة بالحاضر، وبناء جسور العبور إلى المستقبل الزاهر بعزم وتصميم وبدون خوف من التغيير والتحديث والتطوير الذي هو قانون الحياة وسنة التقدم.

صاحب الجلالة،

إننا نؤمن إيماناً وطيداً بأن قيادتكم المستنيرة تشكل ضمانة أكيدة لهذا الوطن. فدعوتكم المواطن إلى حسن اختيار ممثليه تعزز السلطة التشريعية وتمدها بعناصر القوة والفعالية، وكذلك دعوتكم الصادقة إلى دعم استقلال القضاء ورعايته، فإنها تعزز سلطته وتمنحها أسباب المنعة لتقضي بين الناس بالعدل الذي هو أساس الحكم. إن تشكيل اللجنة الملكية لتطوير القضاء بأمر من جلالتكم هو رسالة قوية إلى المجتمع بكامل هيئاته وأفراده كي يتعاون الجميع وتتضافر جهودهم لبلوغ المستوى الراقي المنشود.

إن كرامة الإنسان لا تصان إلا في وطن كريم عزيز الجانب. ولهذا فقواتنا المسلحة الباسلة وأجهزتها الأمنية الساهرة هي الدعامة الوطنية الكبيرة ويجب أن نوفر لها كل الإمكانات التي تضعها دائماً على مستوى التحديات التي تواجه الوطن. ورعاية جلالتكم لها وتوفير ما تحتاجه من أسباب التقدم في الإعداد والتجهيز، هي جزء من نظرتكم الشاملة إلى البناء الوطني المتكامل الذي تسعون جاهدين إلى إعلاء شأن الإنسان فيه واحترام حقوقه وتعزيز حرياته وصون أمنه وكرامته.

صاحب الجلالة،

إن اهتمام جلالتكم بتوسيع خدمات البنية التحتية على امتداد أرض الوطن الغالي وحرصكم على عدالة توزيعها وبخاصة في المناطق النائية ودعمكم قطاع الزراعة تعزيزاً لارتباط المواطن بأرضه ثمرة من ثمرات نظرتكم إلى البناء الوطني المتكامل الذي يتمتع فيه المواطنون جميعاً بحقوقهم ويقومون بواجباتهم ولاسيما الواجب الأشرف والأقدس وهو افتداء الأرض بالدم والعرق. وقد وضعتم مسألة المياه في قمة أولوياتكم الوطنية، سواء استغلال المصادر الحالية بشكل اقتصادي عملي، أم بتوفير مصادر مائية جديدة، كنقل مياه حوض الديسي واستعمال الطاقة لتحلية مياه البحر. كما أن عناية جلالتكم بقطاعات الصحة والطرق والنقل والبيئة والإنشاءات وتنظيم قطاع الاتصالات، وزيادة الاستثمار السياحي، والاستغلال الأمثل لمواقع الآثار وصيانتها والحفاظ عليها تنبع من نظرتكم التكاملية نفسها.

صاحب الجلالة،

لقد أصبح الإعلام في هذا العصر قوة ضخمة على مستوى العالم أجمع، كما أصبح مؤشراً هاماً للحرية والتعددية الفكرية. إن رعاية جلالتكم لهذا القطاع الهام وتشجيعه على النمو في مناخ من الوعي والالتزام بالمصلحة الوطنية يضع الأردن في طليعة دول المنطقة، كما يضعه دعم جلالتكم للكتاب والمثقفين واهتمامكم بالحركة الثقافية وتقديركم الإبداع والمبدعين في مصاف أرقى مراكز الإشعاع والتنوير في هذا الجزء من العالم، ويوفر له مكانة ثقافية تفوق بكثير إمكاناته المادية.

صاحب الجلالة،

لقد أصبح العالم بفض التكنولوجيا الحديثة وتطور وسائل المواصلات والاتصال أكثر قرباً وترابطاً، كما أن التطور المذهل في تقنية المعلومات أصبح ذا أهمية بالغة لنشر المعلومات وامتلاك المعرفة التي أصبحت أهم مصادر القوة والثروة، مما يرتب علينا مسؤوليات كبيرة تجاه أنفسنا وتجاه العالم، ويلزمنا بأن نطور مناهجنا التربوية ووسائلنا التعليمية لمواكبة التقدم العالمي. وقد جاء توجيهكم السامي بتعليم اللغة الإنجليزية من الصف الأول وتزويد المدارس بأجهزة الكمبيوتر خطوة مباركة في هذا الاتجاه ودليلاً على إدراككم العميق لتوجهات المستقبل، إضافة إلى تنفيذ مشروع حماية الطفل لإعداد مواطن المستقبل الملتزم بوعي بقضايا مجتمعه ووطنه. كما أن اهتمام جلالتكم بشؤون المرأة لتكون شريكة في مسيرة التقدم يؤكد قناعتكم إن النماء الاشمل لا يمكن أن يتحقق إذا غابت عنه هذه المشاركة. ويقدر مجلس الأعيان إنشاء مدينة الحسين للرعاية الاجتماعية والعمل على تحسين أداء المشروعات والبرامج الإنتاجية. وغني عن البيان أن للشباب في عهدكم الميمون مكانة خاصة، فهم أمل هذا الوطن في حاضره ومستقبله، وهم عماد نهضته الحديثة. ولابد من تهيئة الظروف الملائمة لانطلاقهم على أسس علمية مدعومة بمنهج تربوي سليم يوفر للشباب العلم والعمل ويعزز انتماءهم إلى مجتمعهم وقيمه العليا ويثبت إيمانهم بوطنهم الأردني وأمتهم العربية.

صاحب الجلالة،

إن اعتماد نهج الخصخصة وتحويل العقبة إلى منطقة اقتصادية خاصة يؤثر ايجابياً في الوضع الاقتصادي العام ولاسيما في مجالات الاستقطاب الاستثماري، وتأمين فرص العمل، وتمكين القطاع الخاص من القيام بدوره المحوري في عملية التنمية. كما كان الوقع نفسه للسياسة الحكيمة الرامية إلى البيئة الاستثمارية لجذب رؤوس الأموال العربية والأجنبية وتطوير القطاعات الإنتاجية الزراعية والصناعية وتحديث التشريعات والنظم التي ترعى هذه الميادين.

صاحب الجلالة،

لا يمكن للدول أن تتقدم في غياب إدارة تتمتع بالنزاهة والكفاءة العالية. ومجلس الأعيان يقدر جهود حكومة جلالتكم من أجل تحديث الجهاز الإداري ومحاربة كل أشكال الفساد والمحسوبية واستغلال المنصب العام. ولا شك في أن تشكيل لجنة مكافحة الفساد هو من الخطوات المشكورة تمهيداً لتطوير آلية العمل في القطاع العام وإطلاق حمية وطنية تحارب الفساد وتنبذه وتعمل على تحديث التشريعات بما يخدم هذه الغاية وخلق الظروف المناسبة لاختيار القيادات الإدارية الصالحة.

صاحب الجلالة،

إن وفاء الأردن لمبادىء الثورة العربية الكبرى هو فخر ومسؤولية في الوقت عينه، فخر للرجال الذين يحملون رسالتها في الوحدة والحرية ومسؤولية جهادية كبرى لتحقيق هذه المبادىء وصونها ووضعها بروحها ومعانيها موضع التطبيق العملي جنباً إلى جنب مع وحدتنا الوطنية التي هي مصدر اعتزازنا الكبير ومحل حرصنا الدائم على صونها وحمايتها. وقد تفضلتم جلالتكم فأكدتم أن هذه الوحدة أمر مقدس وخط أحمر لن تسمحوا لأحد بتجاوزه أو الخروج عليه بأي شكل من الأشكال. إن الدستور الذي أقسمنا جميعاً على الحفاظ عليه والالتزام به ينص على أن الأردنيين "أمام القانون سواء لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات وإن اختلفوا في العرق أو اللغة أو الدين".

صاحب الجلالة،

إن أعمال القتل والحصار التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني هي أعمال مدانة بكل الشرائع والمقاييس ولا يمكن السكوت عنها أو القبول بها تحت أي من الظروف ولا يمكنها مهما بلغت من القسوة والعنف أن تثني الشعب الفلسطيني عن نضاله المشروع لاستعادة حقوقه وإقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني وعاصمتها القدس.

إن مجلس الأعيان يقدر عالياً جهود جلالتكم في دعم الأشقاء الفلسطينيين وإسنادهم في نضالهم البطولي الذي يستحق كل إجلال وإكبار، وفي مطالبة المجتمع الدولي بالقيام بواجبه لوضع حد لما يتعرض له هذا الشعب الشقيق من ظلم ومعاناة.

إن الالتزام الأردني والعربي بعملية السلام الدائم والعادل والشامل هو التزام بإعادة الأرض العربية المحتلة إلى أصحابها الشرعيين على جميع المسارات، في فلسطين وسوريا ولبنان. وبدون ذلك لا يمكن للسلام أن يتحقق، السلام الذي تريده شعوب المنطقة ويستند إلى الشرعية الدولية والإجماع العربي.

وأما العراق الشقيق، فنؤيد حرص جلالتكم الدائم على وحدته وسلامة أراضيه، ونحيي الجهود الدؤوبة التي تبذلونها مع الأشقاء العرب والمجتمع الدولي لوضع حد لمعاناة هذا البلد العربي الشقيق ورفع الحصار عنه.

ومجلس الأعيان يتابع بالتقدير والإعجاب جهود جلالتكم المخلصة لتوحيد مواقف الأمة العربية تجاه قضاياه المصيرية ودعم مؤسسات العمل العربي المشترك، وإقامة علاقات عربية متوازنة أساسها التعاون والثقة والاحترام المتبادل. وتحقيقاً لذلك، يتطلع المجلس بالاعتزاز والإكبار إلى انعقاد مؤتمر القمة العربية برئاسة جلالتكم في عاصمة ملككم السعيد في شهر آذار القادم.

صاحب الجلالة،

إن مجلس الأعيان إذ يعبر عن شكره العميق لجهود جلالتكم المخلصة من أجل رفعة وطننا الأردني وتقدمه وعزته ورفاة شعبه، ويرى المستقبل واعداً ومشرقاً بقيادتكم وريادتكم، ليرفع إلى مقامكم السامي أخلص آيات العرفان والولاء الصادق لجلالتكم وعرشكم المفدى ورسالتكم العربية الهاشمية، ويعاهد جلالتكم أن يستمر في التعاون الإيجابي البناء مع حكومة جلالتكم الرشيدة ومجلس النواب الموقر. فكلنا كما تفضلتم جلالتكم شركاء في تحمل المسؤولية، وعلينا أن نعمل بقيادة جلالتكم يداً بيد وبروح الفريق الواحد من أجل رفعة الوطن وتقدمه وازدهاره.

حفظ الله جلالتكم بكل خير وحفظ المملكة الأردنية الهاشمية وشعبكم الوفي.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

© 2016 مجلس الاعيان الأردني. جميع الحقوق محفوظة