رد مجلس الأعيان على خطاب العرش في الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة الثالث عشر
نسخة للطباعةارسل هذه الصفحة

رد مجلس الأعيان على خطبة العرش السامي في افتتاح
الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة الثالث عشر

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على رسوله العربي الهاشمي الأمين

صاحب الجلالة الملك الهاشمي عبد الله الثاني بن الحسين المعظم.

إن تفضل جلالتكم بافتتاح الدورة الثالثة لمجلس الأمة الثالث عشر كان مناسبة جليلة نفخر بها ونعتز، زاخرة بالامل، عامرة بالثقة في المستقبل المشرق الذي ينتظر الشعب الأردني على يدي ملكيه المفدى وفي ظل قيادته النيّرة.

لقد جاء خطاب العرش السامي الأول في عهدكم الميمون معززاً " لإيمان الأردنيين بصدق عزيمتكم وقوة تصميمكم على العمل من أجل رفعة الأردن وازدهاره والدفاع عن قضايا أمته وفاءً لرسالته التي قدم الهاشميون في سبيلها التضحيات الجسام وأذاب الحسين العظيم، طيب الله ثراه، قلبه الكبير قطرة قطرة ويوماً بيوم وساعة بساعة على مرأى من شعبه الأردني الوفي وأمته العربية التي رافقت نضاله المرير بكل جوارحها، وأمام العالم الذي أبى قادته الا أن يشاركوا في تشييعه بما لم يعرف له هذا القرن مثيلاً من المهابة والاحترام.

إن الإجلال والإكبار لجلالتكم، حيثما حللتم، هو تقديرٌ لكم وفد نذرتم نفسكم لخدمة الشعب الأردني، العربي الوجه الضمير، وللإرث الذي آلت إليكم أمانته، وللدور الذي تميز به هذا الإرث بحمل رسالة الثورة العربية الكبرى والحفاظ على مثلها حية في النفوس والقلوب مع كل ما يعنيه ذلك من حرص على الروابط العربية الأخوية وتطويرها في الاتجاهات التي تعزز التضامن العربي وتدفع مسيرة النهضة أشواطاً واسعة إلى الأمام.

صاحب الجلالة،،،

إن تأكيد جلالتكم على الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان يجسد الإيمان العميق بالمؤسسات الدستورية والفصل بين السلطات ويعكس في الوقت نفسه حبكم لشعبكم وحرصكم على العدل الذي هو الضمانة للحفاظ على قيم التسامح والترابط والوحدة الوطنية. فلأردن بقيادتكم هو حقاً أسرة واحدة يتساوى أفراده من جميع الأصول والمنابت في جميع الحقوق والوجبات. وإن تأكيد جلالتكم على استقلال القضاء يعزز فصل السلطات من جهة ويعكس من جهة أخرى الوعي العميق الذي تتميز به قيادتكم بأهمية الرسالة العظيمة الموكلة إلى هذه السلطة والتي تزداد أهميتها بازدياد تطور المجتمع وتشابك علاقاته الداخلية والخارجية.

صاحب الجلالة،،،

لقد مر الأردن في ظروف صعبة بسبب الحروب والصراعات التي شهدتها المنطقة وتركت آثارها السلبية على أوضاعه وأوضاعها الاقتصادية، فتوقف الدعم العربي وتأثرت الصادرات وتناقص عدد العاملين في الخارج وازداد حجم البطالة وارتفعت نسبة الفقر، ولكنه بفضل حكمة القيادة وإخلاص أبنائه وعزيمتهم كان دائماً" يجتاز المحن ويحقق الانجازات العظيمة بالموارد القليلة، كما يفعل اليوم من خلال إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني وتفعيل دور القطاع الخاص وإيجاد المناخ الاستثماري الجاذب بهدف تحقيق التنمية القابلة للاستمرار.

إن شحّ مشكلة لأكثر من بلد في العالم. ولكن حكومة جلالتكم استطاعت، بكفاءتها، أن تقلص حجم المشكلة في بلدنا بحيث لم يشعر المواطن في الصيف المنصرم بحدتها. وأنه لمن الضروري أن يعالج وضع المياه بشكل جذري بالإدارة الناجعة وبالبحث عن مصادر جديدة وجلب مياه الديسة ومعالجة ملوحة المصادر المائية والجوفية القريبة وتلوث مياه السدود، ومنع الهد والاستعمال غير المبرر. على أن الحل الذي لا بد منه على المدى الطويل هو الحل الاقليمي الذي يصنع الموارد المائية في المنطقة بأسرها في إطارها القانوني والطبيعي وهو خدمة شعوب المنطقة وخطط التنمية الاقتصادية ذات الآفاق البعيدة. وأن مجلس الأعيان مع جلالتكم يقدر عالياً استعداد الأشقاء في ليبيا والامارات العربية المتحدة وسوريا لمساعدتنا في هذا المجال.

صاحب الجلالة،،

لا يمكن للدول والمجتمعات أن تتقدم في غياب إدارة ذات كفاءة عالية. وقد عرفت الإدارة الأردنية بذلك. غير أنها، كما نوهتم جلالتكم، بدأت تعاني من بعض المظاهر السلبية كالترهل والتسبب والشللية واستغلال المنصب للأغراض الشخصية والتطاول على المال العام في بعض الأحيان. ولذلك فإن مجلس الأعيان يبارك جهود حكومة جلالتكم في مواصلة ما بدأته من إجراءات إصلاحية ومحاسبة المسؤولين عن التجاوزات والاستغلال والإثراء غير المشروع والفساد بشكل عام، واتخاذ الخطوات اللازمة لإعادة هيكلة الإدارة وتحديثها بالقضاء على سلبيات البيروقراطية وتبسيط الإجراءات والعمل بروح الفريق وبعقل مؤسسي قادر على الأبداع. فالإصلاح الإداري لا يعني فقط معالجة الأمراض والظاهر السلبية بل هو عملية مستمرة قائمة بذاتها هدفها الارتقاء بالادارة إلى المستويات العليا القادرة على خدمة المجتمع وتنظيم شؤونه التنوية والحياتية. فتجديد المفاهيم والبنى الإدارية أمر ملح توليه دول العالم المتقدمة أكبر الاهتمام من أجل دفع عجلة البناء والتقدم إذ لا يمكن للتنمية أن تتم وللتخطيط أن يتحول إلى التنفيذ في غياب الإدارة الشفافة الراقية رفيعة الأداء.

صاحب الجلالة،،،

إن مجلس الأعيان يقدر تقديراً " عالياً " اهتمامكم بتوفير الحياة الكريمة وتقديم الخدمات العامة للمواطن الأردني في البادية والريف والمخيم والمدينة ورفع هذا الاهتمام إلى مرتبة المسؤولية الوطنية والواجب المقدس لا سيما في المجالات التربوية والاجتماعية والصحية. ولا بد هنا من لتأكيد على أن قطاع المرأة والطفولة بحاجة إلى المزيد من الرعاية والاهتمام بالاضافة إلى إيلاء عناية خاصة لتوسيع مظلة التأمين الصحي وصولاً إلى التأمين الصحي الشامل، والارتقاء بمستوى التعليم ونوعيته، ومعالجة قضايا الاسكان والنقل وتعميق الرعاية الاجتماعية، والحفاظ على البيئة بكل أبعادها. إن التعليم هو قاعدة الرقي والتقدم في أي مجتمع وهو السبيل إلى دخول العصر بأدواته الصحيحة. فالموارد مهما عظمت والقوى البشرية مهما تعددت لا يمكنها صنع التقدم من دون العلم. فالتميز العلمي هو السبيل لشعبكم لبلوغ الأهداف السامية التي وضعتموها جلالتكم.

صاحب الجلالة،،،

إن استغلال وتطوير امكانات الأردن السياحية الوفيرة من مناخ ومواقع أثرية ودينية أمر في غاية الأهمية. فهذا القطاع يمكن فعلاً أن يشكل رافداً رئيساً للاقتصاد الوطني ولخزينة الدولة ويسهم في ايجاد فرص عمل جديدة لأبناء الوطن. ومجلس الأعيان يؤيد توجه حكومة جلالتكم للارتقاء بمستوى هذا القطاع من خلال توسيع دور القطاع الخاص وتطوير التشريعات واستقطاب رؤوس الأموال والاستثمارات اللازمة.

صاحب الجلالة،،،

أن مجلس الأعيان يحيي باعتزاز واكبار نظرتكم السامية إلى دور مجلس الأمة كعنوان رئيسي لمسيرتنا الديمقراطية التي كانت وستظل، برعاية جلالتكم، خيارنا الوطني الذي لا رجعة عنه. فالمواطنة الصالحة، كما تفضلتم جلالتكم، مقياسها الانتماء والعمل وأداء الواجب. فنحن جميعاً، كما نوهتم، شركاء في تحمل مسؤولياتنا الوطنية وشركاء في صياغة حاضر هذا الوطن ومستقبله من خلال العمل على تعميق الوعي الديمقراطي ين الناس وارساء قواعد الحوار بين مؤسسات المجتمع المدني واحترام الرأي الآخر وصون الحريات العامة والتعددية السياسية في اطار من الالتزام بروح الدستور واحترام القوانين والانتماء الوطني. وقد كانت الانتخابات البلدية الأخيرة التي جرت بحياد ونزاهة ودقة تنظيم ممارسة ديمقراطية يعتز بها.

أن ادعاء احتكار الحقيقة أو احتكار الحرص على المصلحة الوطنية العليا أو استغلال مناخ الحرية والديمقراطية والتسامح للتطاول على القوانين والأعراف والقيم النبيلة والاساءة إلى صورة الوطن وسمعته المشرقة أو التطاول على رموزه ومؤسساته أو الانتقاص من تضحياته وانجازاته ليست من حق احد أياً كان في أي حال من ألأحوال. فكل من يخرج عن قواعد المجتمع الديمقراطي القانونية والأخلاقية يحاسب بموجب القوانين النافذة التي وضعت أساساً لحماية المجتمع والمحافظة على القواعد التي اختارها لنفسه.

أما قواتنا المسلحة الباسلة وأجهزتنا الأمنية، درع الوطن ورمز كبريائه وارادته الحرة والعين الساهرة على أمن الوطن والمواطنين والحفاظ على حياتهم وكرامتهم، فان الاهتمام بها، من خلال العلم على تحديثها وتطويرها وتزويدها بكل ما يمكنها من النهوض بمسؤولياته الوطنية وواجبها المقدس، هو عرفان واعتزاز بدورها وتقدير لما تقوم به من عمل وطني وانساني نبيل.

صاحب الجلالة،،،

يفتخر الأردن ويعتز بأنه وارث رسالة الثورة العربية الكبرى وقيمها النبيلة واهدافها السامية في الحرية والوحدة والحياة الكريمة، وقد كان على الدوام عربي الانتماء والموقف والرسالة. وانطلاقاً من هذه الحقيقة سيظل العمق العربي للأردن، كما تفضلتم جلالتكم، الاساس في علاقاته ولن تتقدم أية علاقة على علاقة الأردن باشقائه العرب. ومجلس الأعيان يقدر تقديراً عالياً جهودكم المخلصة لتنقية الأجواء العربية وتجاوز ما بين الأشقاء من خلافات، والاستمرار في دعم مؤسسات العمل العربي المشترك بحيث تكون علاقاتنا مع كل قطر عربي شقيق قائمة على الأخوة والمودة والاحترام والثقة والتعاون وعدم التدخل في شؤون الآخرين.

صاحب الجلالة،

أن مجلس الأعيان يؤيد بقوة جهود جلالتكم في مواصلة العمل من اجل دفع المسيرة السلمية واستمرار دعم الأشقاء الفلسطينيين ومساندتهم حتى يتمكنوا من استعادة حقوقهم واقامة دولتهم المستقلة على ترابهم الوطني، وعاصمتها القدس الشريف، انطلاقاً من ايمان الأردن بأن القضية الفلسطينية هي لب الصراع في المنطقة وبدون تسويتها تسوية عادلة لن يتحقق السلام المنشود. وكذلك لن يتحقق هذا السلام بدون استعادة سوريا ولبنان حقوقهما وأراضيهما المحتلة. وفي هذا الاطار يبارك المجلس جهود جلالتكم في تقديم الدعم الكامل للدولتين الشقيقتين. أما الاشقاء في العراق والسودان فان مجلس الأعيان يشعر مع جلالتكم بمعاناتهم تحت وطأة الحصار الظالم المفروض عليهم ويدعو المجتمع الدولي إلى القيام بواجبه الانساني والاخلاقي لرفع الحصار عن هذين الشعبين الشقيقين ووضع حد لمعاناتهما التي فلقت كل الحدود. كما يقدر المجلس عالياً موقف جلالتكم الثابت بضرورة الحفاظ على وحدة الأراضي العراقية وسلامتها.

صاحب الجلالة،،،

أن مجلس الأعيان يرفع لمقامكم السامي أخلص آيات الولاء والشكر والامتنان على جهودكم المتواصلة الدؤوبة من أجل النهوض بوطننا الأردني في معارج الرقي والتقدم والتنمية الانسانية والاقتصادية ويخص بالذكر مساعيكم الحثيثة للتخفيف من أعباء المديونية التي تثقل كاهل اقتصادنا.

وإذا كان الوطن بحاجة إلى تعاون سلطاته الدستورية وإلى جهد جميع أبنائه وجميع مؤسساته فانه بحاجة، فوق كل شيء، إلى قيادتكم الحكيمة التي تجسد تطلعات الأردنيين إلى غد مشرق ترفرف فوقه رايات الكرامة الوطنية والعدل الاجتماعي والازدهار الاقتصادي.

حفظ الله جلالتكم وأيدكم بالنصر والتوفيق وحقق آمال الأردنيين والعرب المعلقة على شخصكم العظيم وقيادتكم الفذة.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،

© 2016 مجلس الاعيان الأردني. جميع الحقوق محفوظة