رد مجلس الأعيان على خطاب العرش في الدورة العادية الثانية لمجلس الأمة الثالث عشر
نسخة للطباعةارسل هذه الصفحة

رد مجلس الأعيان على خطاب العرش السامي
في افتتاح الدورة العادية الثانية لمجلس الأمة الثالث عشر

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على رسوله العربي الهاشمي الأمين

صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال نائب جلالة الملك ولي العهد المعظم ، أعزّه الله ورعاه

بقلوب ملؤها الإيمان بالله والإخلاص للوطن والولاء لجلالة الملك الحسين المفدى ، يتشرف مجلس الأعيان بأن يرفع إلى مقام سموكم شكره العميق لتفضلكم بافتتاح الدورة العادية الثانية لمجلس الأمة الثالث عشر ، ويقدر عالياً جهود سموكم الخيرة والمتواصلة في خدمة أردننا الغالي والشعب الأردني النبيل.

إنّ ما حفلت به خطبة العرش السامي من رؤى وتوجهات نيرة نابعة من تراثنا العربي الإسلامي ومن مبادئ الثورة العربية الكبرى يزيد من اعتزازنا بانتمائنا الوطني والقومي ويسدد خطانا نحو الغد المنشود ، ونحن على مشارف الألف الثالث المليء بالتحديات لأمتنا العربية ولعالمنا الإسلامي وللعالم أجمع . فنحن في هذا الوطن ، إذ نواجه هذه التحديات بثقة وأمل ، فإننا نبني على قاعدة صلبه من التقاليد التشريعية العريقة التي بدأها المغفور له الجد المؤسس جلالة الملك عبدالله بن الحسين وحافظ عليها المغفور له جلالة الملك طلال بن عبدالله الذي صدر في عهده الميمون دستورنا الراقي.

وقد بنى جلالة الملك الحسين فأعلى البناء وحرص على احترام الدستور وعزز الحياة النيابية وأرسى قواعد الديمقراطية الحقة في دولة يسودها القانون وتنظم عملها المؤسسات ، سائراً في ذلك على خطى الهاشميين الذين نفذوا إلى أعماق روح العصر ونشروا مفاهيمه في المشرق العربي ، وحملوا العبء الإنساني ، واضطلعوا بمسؤولية النهوض بالوطن والمواطنين ، فسادت معهم النظم البرلمانية وعمّت المشاركة الشعبية الحياة العامة وأصبحت المصلحة الوطنية هدف الحكم ، وأصبح الدستور المرجعية الشرعية والقانونية ، يحتكم إليها الجميع فتؤمن لهم حقوقهم في ظل استقلال السلطات وتآزرها وتعاونها في سبيل الخير العام.

صاحب السمو الملكي ،

إنّ مجلس الأعيان الذي يفخر ويعتز بثقة جلالة الملك المعظم ليتطلع إلى المساهمة المتميزة في خدمة قضايا الوطن والمواطن بكل إخلاص ضمن سياسة الوفاق والاقتناع والمسؤولية ، وإنّ من واجبات هذا المجلس الإحاطة بالقضايا والمشاكل التي تواجه هذا الوطن الغالي والإسهام في توفير الحلول المناسبة بكل تجرد وموضوعية ، وفي جو من التعاون الوثيق مع الحكومة الرشيدة ، لتحقيق المزيد من الإنجازات وليصل الوطن الأردني إلى ما نصبو إليه جميعاً من رفعة وتقدم.

صاحب السمو الملكي ،

يتميز الأردن بالكثير من الخصائص ، إلا أنّ حمله لرسالة الثورة العربية الكبرى وإخلاصه لمبادئها وقيمها الثابتة يشكلان أهم الصفات التي تجعله فريداً في محيطه. واحترام المواطن وضمان حقوقه في الحياة والعيش الكريم هي إحدى القيم التي يقدرها الأردنيون حق قدرها ويمحضون العرش الهاشمي المفدى حبهم ووفاءهم واستعدادهم الدائم لبذل الغالي والرخيص في سبيل رفعة وطنهم وإعلاء شأنه ، لكي يظل هو ذاته الأردن الذي يعمل من أجل نهضة العرب والدفاع عن صورة الإسلام المشرقة وقيمه السامية وتسامحه واحترام خصوصيات الآخرين ومعتقداتهم.

لقد دأب الأردن على تشجيع الحوار بين المواطنين وحثهم على البحث العقلاني الجاد ، وإشاعة المناخ الذي يعبر فيه أهل الرأي عن أنفسهم بثقة وحرية من خلال المؤسسات الدستورية القادرة على ترجمة تطلعاتهم وأمانيهم إلى وقائع وأعمال. فالحوار بهذا المفهوم هو الوسيلة المُثلى لتعبير المواطنين عن أفكارهم الخلاقة ورؤاهم الكبيرة ، كما أنه إحدى وسائل تنمية ثقافة وطنية ترتكز على النوعية وتحقق رسالة النهضة العربية التي أرسى من خلالها قواعد الدولة العربية الحديثة أبو الملوك المغفور له الحسين بن علي الذي يرقد في ثرى القدس الشريف بجوار المسجد الأقصى العزيز على قلوب العرب والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.

صاحب السمو الملكي ،

يشهد العالم على أبواب قرن جديد تغيرات متسارعة وتسابقاً في مختلف ميادين الحياة ، ولا نستطيع نحن أن نتخلف عن الركب الإنساني الصاعد بل يجب أن نعزز القواعد المؤسسية في بلادنا وأن نعتني بهيئات المجتمع المدني ونحرص على احترام دور النقابات وتركيزها على رفع المستوى العلمي والخلقي في إطارها المهني ، وأن نعمل على إنجاح التجربة الحزبية ونأخذ بمبدأ التعددية ضمن ثوابت الدستور ، فقد نشأ الأردن الوطن على يد أحرار العرب وكان هذا الوطن مركزاً لجذب أصحاب الآراء والأقلام والأفكار. ويجب أن يظل كذلك وأن يطور مؤسساته بحيث يشعر فيها الجميع بقدرتهم على الإنجاز والعطاء. فالأردن بلد رسالة ، ورسالته ، كما تفضلتم سموكم ، ممتدة على أرضه منذ أن حافظ جعفر الطيار / رضي الله عنه / على الراية عالية أبد الدهر.

إن الحملة الظالمة التي يتعرض لها الإسلام والمسلمون ، كما تتعرض لها الهوية المسيحية العربية ، تهيب بنا ، كما بينتم في خطابكم السامي ، إلى العمل على تصويب الأمور في منابعها وتوضيح الصورة من خلال التفاعل الإيجابي مع الأمم والحضارات الأخرى فندافع عن ديننا وقيمنا ونبرز الوجه المشرق لحضارتنا التي ساهمت عبر التاريخ وستظل تساهم في الحاضر والمستقبل في صنع تقدم الإنسان وثقافته.

صاحب السمو الملكي ،

إنّ الأردن ، إيماناً منه بالمصير المشترك مع الشعب الفلسطيني الشقيق وإيماناً منه بأنّ هذا الشعب صاحب حق في ما يطالب به من بناءً دولته المستقلة فوق ترابه الوطني ، يقف بكل قدراته إلى جانب الشعب الفلسطيني الشقيق وقيادته. فحصول الشعب الفلسطيني على حقوقه كاملة هو ركن أساسي لأمننا الوطني وأمن المنطقة بأسرها. إننا نؤيد وبكل قوة موقف الأردن الثابت في التعاون والتكامل بين الشعبين الشقيقين الأردني

والفلسطيني ، كما ندعم مسيرة السلام التي يشارك فيها جميع الأطراف وعلى جميع المسارات ليأخذ كل ذي حق حقه كاملاً غير منقوص فيتحقق السلام العادل والدائم والشامل .

صاحب السمو الملكي ،

التوجه القومي ورسالة الهاشميين توأمان . فقد حمل الهاشميون ، بما يمثلون من شرعية تاريخية ودينية وقومية وسياسية ، الهم القومي ، وقدموا من التضحيات في سبيل رسالتهم ما شكل ملاحم وبطولات ستظل تتحدث عنها الأجيال على امتداد التاريخ ، فالأردن لم يتوان عن بذل الجهد لرأب الصدع بين الأخوة والأشقاء ، ولم يتخلف عن بذل كل الجهود من اجل رفع الحصار عن العراق وليبيا والسودان ، كذلك ، فقد عمل الأردن دائماً على تحقيق التكامل مع الدول العربية الشقيقة كافة ، وخلق الظروف المؤاتية لاتحاد العرب بخطوات عملية مدروسة وبشكل تدريجي يتوجه إلى هموم المواطنين بالمعالجة العملية ، وإيجاد الحلول واتخاذ التدابير التي تحقق لهم الرفاه والازدهار في إطار من التوجه القومي المخلص الذي يحافظ على الخصوصيات ويعززها ويحولها إلى عوامل مساعدة على إنجاز الحلم الوحدوي الكبير بدلاً من أن يجعلها التجاهل عوائق وعقبات في سبيله .

صاحب السمو الملكي ،

القوات الأردنية المسلحة والأجهزة الأمنية هي عنوان نبيل من عناوين اعتزاز هذا الوطن وقيادته وشعبه ، وموضع محبتهم واحترامهم، كما هي موضع إعجاب وتقدير عالمي حيث يؤدي أبناؤها واجباً إنسانياً يرفعون فيه إسم وطنهم عالياً في الخارج كما كانوا دائماً حصنه الحصين في الداخل. إننا نؤكد حرصنا على استمرار دعم القوات الأردنية المسلحة وأجهزتنا الأمنية وتزويدها بكل ما يلزمها لتأدية دورها الجليل في حماية الوطن وسيادته ، والمواطن وأمنه وطمأنينته . وسيظل الأردنيون يذكرون دائماً بإكبار وإجلال الشهداء قواتهم العربية الباسلة الذين دفعوا عن أرض العروبة وقيم الأمة وبذلوا دماءهم الزكية في سبيلها .

صاحب السمو الملكي ،

إنّ تماسك الجبهة الداخلية ، مع تنوع منابت المواطنين وأصولهم ، هو الوضع المثالي لكل وطن . وهو حال الأردن الذي يشكل التعدد فيه، منذ قيامه ، مصدر غنى وخصب وإبداع مع حرص على الوحدة الوطنية وتشدد ضد كل من يحاول إشاعة أجواء الفرقة والتباعد سواء على الصعيد الوطني أم على الصعيد القومي ، فالأردن بلد التميز والإنجاز وحجر الزاوية في أي عمل عربي ، يجمع الشمل ويرص الصفوف لما فيه خير العرب جميعاً تحقيقاً لنذر هاشمي هادف الى إقالة الأمة العربية من عثراتها والأخذ بيدها في مراقي العزة والكرامة.

صاحب السمو الملكي ،

إنّ مجلس الأعيان يؤيد حرصكم على إيلاء السلطة القضائية أقصى درجات العناية والاستقلال والاهتمام لمواصلة نهوض هذه السلطة النبيلة بواجباتها المقدسة ، وتحصينها ، وتأمين الوسائل المادية والعلمية والثقافية التي تعزز قدراتها وتكفل مواكبتها للتطور الكبير في العالم عن طريق تبادل الخبرات النظرية والعملية مع الهيئات القضائية العربية والعالمية المتقدمة واستيعاب تعقيدات الحياة العصرية وما تطرحه من مشاكل وتتطلبه من حلول لحسم النزاعات وتحقيق العدل بين الناس دون أي إبطاء .

صاحب السمو الملكي ،

يتجه الوضع الإقتصادي في عالمنا اليوم نحو المزيد من تشجيع المبادرة الفردية وتعزيز دور القطاع الخاص في التنمية . وفي هذا المجال يتبع الأردن سياسة رشيدة تهدف إلى تحسين أداء الإقتصاد الوطني ومعالجة حالة الركود التي يعاني منها والمشاكل الأخرى التي تواجهه خاصة مشكلتي الفقر والبطالة . ومن أجل ذلك فإننا ننوه بتوجيهات سموكم في وجوب الاستمرار في تحديث الإدارة الحكومية والأطر المؤسسية والتنظيمية الداعم لهذا التوجه القائم على تحرير الأسواق وكفالة المنافسة ودعم الإنتاجية وضمان الجودة واجتذاب الاستثمارات الأجنبية والعربية المباشرة والاستمرار في سياسة التخاصية . والواقع أنّ هذه الخطوات ضرورة لا بد منها لتحقيق سياسة تشجيع الرساميل المقبلة على الاستثمار في مختلف قطاعات اقتصادنا ، فضلاً عن ضرورة تطوير الخدمات السياحية والمهنية التي تميز بها الأردن ، إلى جانب ترشيد الإنفاق والتوجه نحو إنهاء الاختلال المالي والداخلي ، وتحقيق النمو في إطار الاستقرار في الأسعار ومتانة قيمة الدينار .

ويؤيد مجلس الأعيان استمرار الحكومة في تطوير علاقات التعاون مع الدول الشقيقة والصديقة ، وتهيئة الأجواء والظروف اللازمة لتوطيد هذا التعاون وتشجيع الاستثمار بمراعاة المعايير الدقيقة التي تكفل نجاح هذا التوجه في عالم تحكمه المنافسة ، وتثقله القضايا والاهتمامات العالمية المتغيرة .

صاحب السمو الملكي ،

إنّ العناية بالفنون والثقافة شهادة على رقي المجتمعات وتقدمها . وفي هذا المجال يشهد كل المنصفين للأردن بالسبق والانفتاح على الكفاءات والقيادات الفكرية في المحيط العربي والعالم أجمع ، وبإيلاء تاريخه ، قديمة وحديثه ، وتاريخ أمته ، عناية ورعاية مميزتين . وفي هذا المجال يقوم الإعلام بدور كبير ، ويؤيد مجلس الأعيان أن يكون إعلام الأردن موضوعياً ومهنياً ، إعلاماً وطنياً يلتزم بمنظومة القيم التي نؤمن بها جميعاً في جو من الحرية والصدق والمسؤولية .

وفي هذا العالم المتغير تأتي القدرة على التعامل مع العلوم والمعارف في مقدمة الأولويات . ومن هنا ، كما تفضلتم سموكم ، فإنّ الإهتمام بنوعية التعليم ومستواه في جميع مراحله ، وتزويد الطلاب بالمهارات وتدريبهم على التفكير السليم ، هو ضرورة عصرية لا غنى عنها في المجتمعات الحديثة ، وكذلك العناية بالطفل والمرأة وتوفير العدالة الإجتماعية لجميع المواطنين وتنفيذ برامج رعاية المحتاجين ومعالجة مشكلتي الفقر والبطالة .

صاحب السمو الملكي،

إنّ الوطن الأردني ، بقيادته الهاشمية الخالدة ، قادر على تحقيق أهدافه السامية رغم كل الصعوبات والمعوقات ، فشعبه الأبي يملك من الإيمان والقوة والعزيمة ما يجعله يتصدى بنجاح لكل أسباب اليأس والإحباط .

والحمد لله العلي القدير ألذي من علينا بشفاء جلالة مليكنا المفدى وندعوه جلت قدرته أن يعيد جلالة القائد الرائد باني عزنا ومجدنا سالماً إلى وطنه وشعبه الذي يفتديه بالمهج والأرواح .

وفق الله سموكم وأعز شخصكم الكبير وبارك في عمركم وحفظكم ورعاكم .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

© 2017 مجلس الاعيان الأردني. جميع الحقوق محفوظة