رد مجلس الأعيان على خطاب العرش في الدورة العادية الأولى لمجلس الأمة الثالث عشر
نسخة للطباعةارسل هذه الصفحة

رد مجلس الأعيان على خطاب العرش السامي
في الدورة العاديــــة الأولى
لمجلس الأمة الثالث عشر

بسم الله الرحمن الرحيم

صاحب الجلالة الهاشمية الملك الحسين المعظم

أعزه الله ورعاه

باعتزاز يملؤه اليقين والوجدان يتشرف مجلس الأعيان بأن يرفع إلى مقام جلالتكم السامي أطيب التحيات وأصدق مشاعر المحبة والولاء مقرونة بوافر الشكر وعميق التقدير لتفضل جلالتكم بافتتاح الدورة الأولى لمجس الأمة الثالث عشر الذي يأتي ليختتم هذا القرن ويدخل بمسيرة الوطن إلى القرن الحادي والعشرين محافظاً على الشرعية الثابتة المستمرة وعلى مرجعيته العربية الإسلامية مثلما حافظ منذ البداية وحتى يومنا هذا على رسالة الثورة العربية الكبرى.

إن ما تضمنه الخطاب السامي من رؤية واضحة لتحديات المستقبل واستشراق شامل لسبل التصدي لها لهو دليل نهتدي بنوره وحكمته النابعة من استلهام عميق لروح التراث واختبار لتجارب الحياة وصروفها وظروفها.

صاحب الجلالة،،،

لقد جرت الانتخابات الأخيرة في جو من الحرية والنزاهة التي شهدها وشهد لها القريب والبعيد وجاءت نتائج الاقتراع العام معبرة عن إرادة الناخبين وواقع المجتمع الأردني. فالعائلة والعشيرة هي من خلايا المجتمع التي تصون تقاليد الشعب وعاداته النبيلة وتضبط مسيرته الانسانية منظومة القيم التي تشكل الوجدان الشعبي وتنزع به نحو التقدم والرقي ضمن الأسس التي يؤمن بها فلا يأتي التقدم خارج هذه القاعدة الصلبة للشخصية الوطنية. إن الدولة كما بينتم في خطابكم السامي بمؤسساتها كافة هي جسم واحد. شرط صحته وسلامته هو تناغم أعضائه وتعاونها وتكاملها فتعدد السلطات من تشريعية وتنفيذية وقضائية لا يعني التضاد ولا هو سبيل إلى الخلاف كما أن جوهر الديمقراطية هو التعدد ضمن الوحدة والاختلاف دون خلاف.

يا صاحب الجلالة،،،

إن مجلس الأعيان يعي أهمية دوره التشريعي في حياة الوطن ويدرك المسؤولية الجسيمة الملقاة على عاتقه ويقدر حق التقدير ثقة جلالتكم الغالية وسوف يقوم بإذن الله وبتوجيهاتكم السامية بمسؤوليته الكاملة نحو مشاريع القوانين التي ستتقدم بها حكومتكم الموقرة سواء ما يستهدف منها تعديل تشريعات وتحديثها وتطويرها أو ما كان منها جديداً يفتح آفاق التطور والبناء وبخاصة قانون انتخابات جديد يراعي التحولات والتطورات السياسية والاجتماعية والتقنية التي يفرضها العصر ويحقق المزيد من المساواة والعدالة بين سائر المواطنين ويحافظ على الثوابت الوطنية وكذلك تطوير قوانين الأحزاب والنقابات بحيث تضمن التشريعات الجديدة قيام الجميع بأدوارهم على خير وجه وضبط الممارسات المختلفة تطويراً لهذه المؤسسات وحفاظاً على حقوق الشعب والمصلحة الوطنية العليا ولا شك أن انجاز قانون دائم للمطبوعات هو من مهمات هذا المجلس ضماناً لتطوير مهنة الصحافة وصوناً لحرية الفكر والتعبير وحماية لحقوق الوطن والمواطنين بحيث تتوازن الحقوق والواجبات وتتساند كلها حفاظاً على الثوابت والمصلحة العليا لهذا الوطن العزيز.

يا صاحب الجلالة،،،

أما القوات المسلحة المؤسسة العسكرية الباسلة التي كانت وستظل عنواناً نبيلاً يعلو هامة الوطن ويرفع هامات المواطنين تلك القوات التي رافقت جلالة الحسين والعرب والأردنيين فوق كل الذرى ومثلها مؤسسة الوطن الأمنية فكان لهما شرف حماية الوطن والمواطن بكفاءة وانضباط شهد به العالم بعد أن امتدت رسالتهما النبيلة إلى بعض أرجائه فكان أبناء المؤسستين خير رسل لجلالة قائدهم الأعلى وقيم شعبهم الأردني الأبي وسوف يدعم مجلس الأعيان جهود حكومة جلالتكم واهتمامها بهاتين المؤسستين الوطنيتين وبمؤسسة المتقاعدين العسكريين بما تستحقه هذه المؤسسات من عناية ودعم وفاء لجهودها الكبيرة المشرفة على مر السنين وتلبية لتوجيهاتكم السامية.

صاحب الجلالة،،،

إن نظرة المملكة الأردنية الهاشمية للسلام تنبع من إيمانها الراسخ بالحق والعدل وتمسكها الدائم بالشرعية والمواثيق والالتزامات الدولية ونحن بكل الإيمان والوعي مع جلالتكم بأن السلام ما كان يوماً إلا خياراً استراتيجياً لنا ولأشقائنا العرب وللعالم أجمع ... والأردن بقيادتكم الحكيمة دعا ويدعو إليه وينشده سلاماً شاملاً دائماً ولئن اصاب مسيرة السلام بعض العثار بسبب التعنت والعناد من جانب الحكم في إسرائيل فإننا نشارك جلالتكم الإيمان أن إصرار الشعوب على خيار السلام سوف يتغلب في النهاية على جميع العقبات بما فيها تعنت القيادات التي تجنح إلى التطرف.

يا صاحب الجلالة،،،

لقد ضحى الهاشميون منذ مطلع هذا القرن من أجل القضية الفلسطينية كما قدم الأردن بقيادته الهاشمية الدعم الدائم لها على مر العهود وساند السلطة الوطنية الفلسطينية بكل الوسائل الممكنة وبذلتم جلالتكم جهوداً مستمرة ودعماً غير محدود للشعب الفلسطيني للوصول إلى حقوقه المشروعة وإقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني وعاصمتها في القدس كما يشيد المجلس بجهود جلالتكم المتواصلة والمتميزة في إعمار المقدسات الإسلامية في القدس الشريف وما قدمتم من تضحيات في هذا السبيل.

وأن مجلس الأعيان ليعرب عن فخره واعتزازه بجهود جلالتكم في الساحتين العربية والدولية وبخاصة اللقاءات المباشرة بقادة العالم والقادة والمسؤولين العرب والتنسيق معهم وفي مقدمتهم الشقيقة الكبرى مصر خدمة للسلام على المسارات الفلسطينية السورية واللبنانية وتحقيقاً لمصلحة الأمة العربية ولسوف يحفظ التاريخ في صدر صفحاته موقف جلالتكم من معاناة الشعب العراقي الشقيق وحرصكم على رفع تلك المعاناة المريرة عن أهلها في القطر الشقيق في إطار المحافظة على وحدة التراب الوطني العراقي. كما سيحفظ التاريخ لجلالتكم جهودكم المتواصلة لجمع الشمل العربي حتى تسود الحياة العربية الحكمة ويسيطر منطق العقل فلا تخسر الأمة اليوم ما كسبته بالأمس ولا تندم في الغد على ما فعلته أو على ما لم تفعله اليوم.

ياصاحب الجلالة،،،

إن الاتجاه العام في العالم اليوم، كما تفضلتم جلالتكم، يسير نحو الاتحادات والتكتلات الاقتصادية الكبيرة وتحرير التجارة من شتى القيود وتسهيل انتقال رؤوس الأموال الأمر الذي حدا بحكومة جلالتكم إلى توقيع اتفاقية الشراكة الأوروبية التي تفتح الباب واسعاً أمام الأردن للدخول في الاقتصاد العالمي وسوف يعزز هذا الانجاز الكبير بمتابعة السعي للانضمام إلى منظمة التجارة العالمية لتوسيع الفرص أمام الصادرات الأردنية وزيادة الاستثمارات الخارجية المباشرة في النشاط الاقتصادي الأردني. وأن مجلس الأعيان يعتز بإعلان جلالتكم عن متابعة حكومتكم العمل على إنشاء منطقة تجارة عربية حرة تؤدي إلى حرية انتقال السلع والخدمات ورؤوس الأموال إن إقامة هذه المنطقة سوف يفتح المجال واسعاً أمام الدول العربية التي بلغت في تطوير أنظمتها الاقتصادية مرحلة تمكنها من الاستفادة منها.

وإن استمرار حكومتكم الرشيدة في تطبيق برامج التصحيح الاقتصادي نهج اعتمد فكان له اثره الفعال في تطوير الاقتصاد الوطني والحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي وتصاعد نسب نمو مستدامة قادرة على إحداث تحسين ملموس في مستوى معيشة الشعب والحد من الفقر والبطالة كما نتج عنه استمرار تدفق الاستثمارات الوطنية والخارجية في مناخ جاذب يقضي الحفاظ عليه استمرار العمل على توفير نظام قانوني سليم يستند على تشريعات عصرية شفافة وإلى مستوى عال لرجال القضاء والقانون وكذلك إلى رفع مستوى الإدارة العامة وإعادة هيكلة دورها ويوجب تحويل دور الإدارة العامة إلى مهمة تحديد الأهداف الاقتصادية والاجتماعية ووضع الاستراتيجيات اللازمة لذلك وأن يكون القطاع الخاص آلية النشاط الاقتصادي الذي يحقق الاستخدام الأمثل للموارد ويحول الوطن كله إلى ورشة تعمل في ظل مناخ يسوده التنافس الحر وتنتفي منه فرص الاحتكار.

صاحب الجلالة،،،

إن مجلس الأعيان يؤيد ما أوردتموه جلالتكم من أنه على الإدارة أن تضع نصب عينيها أنها أداة للحكم والمسؤولية لا وسيلة للتحكم والامتيازات الشخصية مما ينهي الجمود الذي يعيق حركة الجهاز الإداري ويقاوم الفساد الذي يحط من كرامة الموظف وانسانيته مثلما يعرقل أعمال المواطنين ويضر بمصالحهم الحياتية. وأن للقضاء رسالة ترتفع إلى مستوى القدسية بحيث ينتشر العدل ويسود الحق على كل صعيد، وأن أعدل الأحكام هو ما صدر عن الضمائر الحية العامرة بالقيم والعقول النيرة والمستندة إلى القانون.

يا صاحب الجلالة،،،

إن التفاتكم الكريم إلى شؤون المرأة والطفل هو جزء من رعايتكم الدائمة للإنسان الأردني وحرصكم على تنشئته وتعزيز كرامته وكيانه الإنساني فقد برهنت المرأة الأردنية على جدارتها بالاضطلاع بدورها الطبيعي في الحياة العامة إلى جانب دورها الأساس في حياة العائلة فالديمقراطية تبدأ من أصغر الحلقات الاجتماعية وتنمو وتتطور حتى تعم الوطن بأسره. وكما تفضلتم جلالتكم فإن من الضروري أن تنال المرأة حقوقها كاملة وأن تزول المعيقات التي تحول دون قيامها برسالتها ودورها فمكانة المرأة في أي مجتمع من المجتمعات مقياس لرقي المجتمع وتقدمه وكذلك بالنسبة للطفولة فبقدر ما يوظف المجتمع فيها من اهتمام وجهد يكون المستقبل منيعاً محصناً، فغني عن البيان القول أن أطفال اليوم هم شباب الغد ورجال المستقبل. ولهذا فإن اهتمام جلالتكم برعاية الطفولة وتنشئة الشباب هما من الضرورات الوطنية والمتطلبات الأساسية لدخول القرن المقبل، وأن الشعب الأردني ليذكر بامتنان وإكبار مبادرة جلالتكم في مطلع هذا العام برعاية وكفالة الأيتام بعاطفة أبوية نبيلة وحس إنساني عميق وما أطلقته هذه المبادرة السامية من نشاط شمل كل مكامن الخير في مملكتكم الأردنية الهاشمية.

صاحب الجلالة،،،

إن مجلس الأعيان يؤمن مع جلالتكم أن التعليم والثقافة هما من أهم المداخل الرئيسة للقرن الجديد مما يتطلب إعادة النظر الشاملة في برامج الثقافة والتعليم لنكون شركاء في صنع الحضارة الحديثة فاعلين فيها ومتفاعلين معها على أرقى وأبهى الصور، وأن لنا من تراثنا العربي والإسلامي معيناً لا ينضب وعونا على وصل ما انقطع بيننا وبين أسباب الحضارة والتقدم، فشخصيتنا العربية والإسلامية كفيلة بحماية هويتنا من الضياع فلا خوف علينا من الإقدام بل الخوف كل الخوف من الانعزال عن التيارات الحضارية الحديثة والتقوقع والتعصب وإنعدام المبادرة ومن كان عنده زادنا التراثي يدخل الشراكة الانسانية بفخر واعتزاز يعطي ويأخذ بقوة وثقة.

يا صاحب الجلالة،،،

يتطلع مجلس الأعيان إلى الخطة الاقتصادية الاجتماعية الخمسية للأعوام 1998/2002 بأمل حقيقي واسع وبخاصة أن تنفيذها سيتم بمباركة جلالتكم وبإشراف قرة العين صاحب السمو الملكي الأمير الحسن ولي عهدكم الأمين ويتطلع المجلس بأمل كبير إلى ما ستعكسه موازنة 1998 من توجهات مستقبلية لحكومتكم الرشيدة.

إن مشاريع الإسكان الوظيفي وصناديق التنمية وبرامج التأهيل والتدريب وزيادة الحوافز الاستثمارية في المحافظات تعكس توجهات مستقبلية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية كما تؤشر إلى أبعاد اقتصادية متميزة ونظرة استراتيجية للموارد والثروة الوطنية. وقد كان لهذه السياسة الرشيدة التي أرسى الهاشميون أسسها الفضل في جعل رحلة العقود الماضية من القرن العشرين حافلة بالإنجازات برغم الصعاب الكثيرة والتحديات الكبيرة. كما كان الأردنيون في هذه الرحلة المباركة صفاً واحداً بقيادتكم .. فجلالتكم عنوان وحدتهم الوطنية ومصدر عزتهم وشموخهم. ولقد أقام الأردن بقيادتكم الحكيمة دولة عصرية ناهضة شاع الاستقرار والأمان في ربوعها العزيزة وترسخت الديمقراطية فيها وسادت الحرية والتعددية وحفظت كرامة المواطن الاردني وحقوقه وشخصيته الوطنية وهويته العربية.

صاحب الجلالة أعزه الله وحفظه ورعاه،،،

إن مجلس الأعيان يعاهد جلالتكم على مواصلة الرحلة المظفرة بقيادتكم الرائدة الملهمة وبكل الولاء والحب والالتزام بترسيخ كيان المملكة وإعلاء كلمة الوطن سائلين المولى عز وجل أن يمد في عمر جلالتكم الغالي وأن يوفقكم ويرعاكم بعنايته وأن يأخذ بيدكم لتحقيق رسالة الثورة العربية الكبرى وتحصين قلعتها الأردنية بالمزيد من المنعة والتقدم والإزدهار. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

© 2016 مجلس الاعيان الأردني. جميع الحقوق محفوظة