خطاب العرش في افتتاح الدورة العادية الثانية لمجلس الأمة الأردني الثاني عشر
نسخة للطباعةارسل هذه الصفحة

خطاب العرش
في
افتتاح الدورة العادية الثانية
لمجلس الأمة الاردني الثاني عشر


يوم السبت
الواقع في 17 جمادى الاولى 1415 هجرية
الموافق 22 تشرين الاول 1994 ميلادية

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على النبي العربي الهاشمي الأمين<>p/

وعلى آله وصحبه أجمعين

حضرات الأعيان، حضرات النواب،

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

باسم الله العلي القدير وعلى بركته تعالى أفتتح الدورة العادية الثانية لمجلس الأمة الاردني الثاني عشر، وانه لمما يبعث الرضى في النفس أن يلتئم مجلسكم الكريم في هذا المناخ الطيب الذي يشهد فيه بلدنا استمرار مسيرته في التنمية والديمقراطية، ويجني ثمار صموده في وجه التحديات والأعاصير، بثقة واقتدار ومصداقية، حتى وصل ابناؤه الى نتائج ملموسة وهم يخوضون معركة السلام دفاعا عن حقوق هذا الوطن التاريخية في أرضه ومياهه ومستقبل أبنائه، ثم وهم ينهضون مع دعاة السلام تحت راية الأمم المتحدة بمسؤوليات انسانية لحفظ السلام في عدد من الأماكن المضطربة في هذا العالم، الذي يحملون اليه صورة الانسان الاردني المسلح بالعلم والوعي والكبرياء، في عالم يشهد من التحولات العميقة ما يبعث على القلق، ويفرض ضرورة الترقب واليقظة والمتابعة والاحتواء نتائجها ودفعها نحو خير الانسان وحريته، واستشراف مستقبل الاجيال برؤية مبصرة تجعل هذه المتغيرات ضوءا على طريق التقدم الانساني، وتمنع استغلالها على صورة تجعل الناس وقودا لما قد يصاحبها من أطماع وهيمنة واستغلال.

حضرات الأعيان، حضرات النواب،

لقد تابعت حكومتي مسيرتها في الظروف التي تعرفون صعوبتها وتقدرون دقتها، اذ كانت المسؤوليات وما تزال كبيرة من اجل مواجهة اعباء استكمال التنمية الوطنية الشاملة، وتعزيز المسيرة الديمقراطية، ومواصلة العمل من اجل سلام عادل وشامل، والانفتاح على الاشقاء من حولنا ضمن صيغة جديدة تعيد الروح الى النظام العربي. كما كان على حكومتي ان تواصل عملها من أجل الاصلاح الشامل على أسس علمية في سائر مجالات الحياة وحماية النهج الديمقراطي، والتصدي لكل ما يمس حرية المواطنين وأمنهم وتعزيز سيادة القانون وحماية النسيج الوطني ضمن اسرة اردنية واحدة يجتمع ابناؤها على الخير، ويعمقون أواصر المودة بينهم، ويؤكدون التزامهم الثابت بالدستور والميثاق الوطني والتعددية السياسية وسيادة القانون، لأن صورة الاردن الجديد لا تكون الا على هذا الشكل، وقد تحقق له، والحمد لله من العلم والوعي ما يفتح المجال امام اكتمال رؤيته، ونضج تجربته والتصدي لكل محاولات تحجيم دوره، أو اثارة الغبار لتشويه صورته، أو بث الفرقة بين أبنائه.

حضرات الأعيان، حضرات النواب،

ان احد المعاني المتمثلة في انعقاد هذه الدورة هو التأكيد على تعزيز دور مجلس الأمة في مسيرتنا الشورية التي ترسخت دعائمها على مبادئ الحق والحرية والعدل، والتزمت بالتعددية واحترام الرأي والرأي الاخر دونما تعصب أو تطرف او انغلاق. وهاهي المسيرة الديمقراطية تتجذر في ثرى الوطن يوما بعد يوم كما تجذر قبلها الشهداء والأباء من الرعيل الذين واجهوا الزمن الصعب يوم كان عليهم ان يتعلموا، ويزرعوا، ويقاتلوا، وتلك شواهد صبرهم واضرحتهم ممتدة بين الكرامة والقدس......، القدس التي لم ينحن الاردنيون على اسوارها وبوابات اقصاها الا ركعا سجدا لله او شهداء في سبيل مجدها... ومقدساتها التي ما تزال وديعة لدى الهاشمين يصرون على رعايتها واعمارها والاشراف عليها وفاء للامة، لأن أي فراغ ينشأ يؤدي الى ضياع تلك المقدسات والعبث بكل موروث الأمة الخالد فيها. وستظل القدس أغلى المواقع وجوهرة السلام وستظل علاقتنا بها أكبر من كل ما يتخيله الذين لا يدركون تاريخنا فيها، لانها علاقة مستمدة من الدين والنبوة والتاريخ والشهادة.

حضرات الأعيان، حضرات النواب،

لقد كانت عمان وما تزال ملتقى العرب، وهكذا جاء خيار الاخوة في اليمن العزيز للالتقاء فيها حول وثيقة العهد والاتفاق، وكان سعينا منصبا على تأكيد الحوار والوحدة بين ابناء اليمن الشقيق، وبذلنا ما استطعنا من أجل حق الدماء بينهم، ثم اندفعنا لنجدتهم بالمساعدات الانسانية يوم تفجرت الأزمة وما نزال قريبين منهم وهم يعلون صرح الوحدة والديمقراطية. وعمان أيضا قريبة من معاناة الأهل في العراق، وتسعى الى وضع حد لهذا التطاحن العربي الذي خسر فيه الاخوة كلهم ما خسروا يوم غاب الحل العربي الذي كنا أول المنادين به. ونحن اذ نؤكد حرصنا على رفع المعاناة عن أي شعب عربي يتعرض لها، لنؤكد حق كل دولة عربية في امنها واستقرارها وسيادتها، كما نؤكد أهمية تجاوز الماضي بكل جراحه والارتقاء الى مستوى جديد في العمل السياسي العربي، حتى تتمكن اقطار الامة من حماية أمنها واستقلالها وحقوقها وحتى تكون الأمة كلها حاضرة في المشهد الانساني الجديد وتتحقق طموحات شعوبها في الحرية والكرامة والعدل والتقدم. وتصبح كلها صفا واحدا، وتسود أجيالها حالة من الكرامة والحرية والوعي، وتأخذ موقعها الحقيقي في هذا العالم الحافل بالتحديات والمتغيرات المتسارعة.

ومن هذا الاصرار على وضوح الرؤية القومية، وثبات الموقف الاردني أعلنا، وقوفنا المطلق ضد استخدام السلاح مجددا بين الاشقاء العرب تحت أي ظرف، وأعلنا أننا ضد أي تهديد من شقيق عربي لشقيقه العربي، وأكدنا حرصنا على الدم العربي، والسلاح العربي، وأعدنا النداء الى الحوار وقلنا أن السلاح العربي ما كان له أن يرفع في وجه الشقيق العربي، ولا يجوز أن يرفع، وأن الاردن سيقف في أي جهة عربية تخرق هذا المبدأ ودون أي تردد.

حضرات الأعيان، حضرات النواب

لقد قامت حكومتي بتعديل قرار فك الارتباط القانوني والاداري بين الضفتين ليشمل المحاكم الشرعية ودوائر الاوقاف في الضفة الغربية ما عدا القدس حرصا منها على قطع الطريق على عوامل الخلاف التي ظهرت في العديد من القرارات والتصريحات التي صدرت عن بعض المسؤولين في السلطة الفلسطينية، وبعد اطلاعنا على ما تعرض له الموظفون الاردنيون العاملون هناك من مضايقات واعلنا حرصنا الكامل على ان تظل المقدسات في القدس الشريف في ظل الولاية الدينية التي ننهض بها باسم الامة، فهي رمز السلام الدائم بين المؤمنين ومهوى أفئدتهم جميعا ولن نفرط. بمسؤولياتنا الدينية تجاه المقدسات تحت كل الظروف والاحوال وانني لاحمد الله ان كرمني سبحانه وتعالى، فيسر لي النهوض بمسؤولياتي الدينية والتاريخية تجاه المقدسات، فتم بفضل الله وتوفيقه انجاز الاعمار الهاشمي الثالث للمسجد الاقصى وقبة الصخرة المشرفة على أفضل وجه. كما يجري حاليا اعادة صنع منبر صلاح الدين. وسنوالى - باذن الله - العمل على اعمار مقامات الصحابة واضرحتهم، وتحسين المناطق المحيطة بها في مختلف انحاء المملكة، وقد تم انجاز تصاميم المرحلة الاولى من مشروع تطوير هذه المقامات في المزار الجنوبي، وسوف يطرح عطاء التنفيذ قريبا. كما يجري حاليا اعداد التصاميم لمقام الصحابي الجليل ابي عبيدة في الاغوار الشمالية. وستدعم حكومتي اداء المساجد لرسالتها في التوجيه الاسلامي الرشيد التزاما باحكام الشرع الحنيف ومبادئ الاعتدال والوسطية التي جاء بها الاسلام.

حضرات الأعيان، حضرات النواب،

حرصا من حكومتي على صون المسيرة، فقد وجهناها الى امرين اساسيين متلازمين، أولهما سيادة القانون وتحقيق العدل بين الناس، وثانيهما دعم قواتنا المسلحة واجهزتنا الامنية كافة بكل ما تحتاج. ففي مجال سيادة القانون نؤكد حرصنا الكامل على استقلال القضاء وتوفير المتطلبات الضرورية التي تساعده في النهوض بواجباته ومسؤولياته، ودعم المحاكم لتؤدي واجبها بكفاءة واقتدار. ووضع التشريعات التي تضمن ذلك، وقد وفرت الحكومة الحوافز الضرورة للقضاة لضمان حياة كريمة لهم.

أما قواتنا المسلحة وأجهزة الامن والمخابرات والدفاع المدني، درع الوطن وذراع القانون، وسياج الحرية والديمقراطية، فهم قرة العين ومحل اعتزاز شعبنا، واليهم جميعا، وفي مواقعم كلها، نتوجه من مجلسكم الموقر، بتحية المحبة والفخر والتقدير فهم فرسان الامة، وحملة رسالة الثورة العربية الكبرى، وسوف تنهض حكومتي بمسؤولياتها بتوفير ما يحتاجون لتطوير قدراتهم، وتنمية كفاءاتهم بما يتلاءم مع التطور المتسارع الذي يهيمن على حركة الانسان يوما بعد يوم. ان حقوق الانسان وحرياته، والديمقراطية، وحماية الامن، وضمان الاستقرار، منظومة واحدة متكاملة لبناء الاردن القوي المتمكن من عناصر الحضارة، القادر على النهوض بما يحمل من مسؤوليات لم تكن أبدا خاصة به وحده، وانما تمتد لتشمل حمل أمانة الدفاع عن الامة كلها؛ حريتها، وتاريخها، وأمنها، ومستقبلها.

ولما كنا حريصين على تهيئة المناخ المناسب لاطلاق طاقات الابداع والمبادرة في مؤسساتنا العامة والخاصة، وتحقيق العدالة والتوازن بين الحقوق والواجبات ، دون تحيز او تمييز، او تعصب لجهة أو جماعة أو طائفة، فقد أصدرنا تكليفنا لأخي وقرة عيني وولي عهدي، صاحب السمو الملكي الامير الحسن بن طلال، لرئاسة اللجنة الملكية للتطوير والتحديث كي تتولى مسؤولية الاعداد لمواجه هذه المرحلة الجديدة، بكل ما عرفناه وعرفه شعبنا عن سموه من رؤية عميقة، وحرص على ترسيخ مفهوم بناء دولة المؤسسات، والتأكيد على سيادة القانون، وتعميق الحرص على صيانة المال العام وحمايته من العبث، دون تسامح أو تهاون مع أي مظهر من مظاهر التسيب واستغلال المناصب الوظيفية لأي نفع شخصي.

وفي هذا المجال من مجالات الاصلاح نشير الى ان الحكومة تسعى الى تعزيز اللامركزية الادارية وتعزيز دور المجالس التنفيذية والاستشارية في المحافظات، وقد تم احداث أربع محافظات جديدة ضمن رؤية ادارية وتنموية متطورة، وقد أفردت حكومتي وزارة دولة للتنمية الادارية لتتولى عملية الاصلاح الاداري بشكل علمي مؤسسي، يرفع كفاءة الجهاز، ويسهل على المواطن الحصول على حاجاته، كما صدر قانون معدل لقانون البلديات لتعزيز التنمية المحلية، واللامركزية، والمشاركة في صنع القرار، واستحدثت (64) بلدية جديدة، بالاضافة الى عدد من المجالس القروية.

حضرات الأعيان، حضرات النواب،

واصل الاقتصاد الوطني تقدمه بخطوات ثابته في ظل استقرار نقدي ونمو اقتصادي سليم مع المحافظة على سعر صرف الدينار الاردني واحتواء ارتفاع تكاليف المعيشة. ويتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الاجمالي الحقيقي حوالي 5.5% هذا العام، وهذه هي السنة الثالثة على التوالي التي يحقق فيها الاقتصاد الوطني نتائج ايجابية مرتفعة تفوق بصورة واضحة الزيادة السكانية. كان اداء الاقتصاد الوطني متفقا مع اهداف برنامج الانعاش والتصحيح الاقتصادي وبأداء أفضل في العديد من المجالات، فلقد تم تخفيض العجز في الموازنة العامة. كما تم ايضا تخفيض عبء خدمة الدين الخارجي، وتقليص فجوة العجز في الميزان التجاري.

لقد نجم هذا الاداء المتميز عن حزمة من الاجراءات التصحيحية التي اتخذتها حكومتي لغايات ترشيد الانفاق وزيادة الايرادات والمحافظة على المستوى العام للاسعار وتطوير التشريعات المالية والضريبية وتحديثها بما يتناسب ومقتضيات برنامج الانعاش والتصحيح الاقتصادي ومتطلبات المرحلة القادمة، ويجري العمل حاليا على تعديل قوانين الجمارك وضريبة الدخل، ومؤسسة المناطق الحرة، وتشجيع الاستثمار، وتنظيم الاستثمارات العربية والاجنبية، وسوق عمان المالي، بهدف ايجاد المناخ الاستثماري الجاذب لرؤوس الأموال العربية والاجنبية وتشجيع الادخار، وستعرض هذه المشاريع على مجلسكم الموقر تباعا.

حضرات الأعيان، حضرات النواب،

تعمل حكومتي أيضا على استمرار سياسة الاعتماد على الايرادات المحلية لتغطية جميع النفقات الجارية وقسم من النفقات الرأسمالية، واسترداد الكلف الحقيقية للخدمات والسلع، وحصر الدعم في شريحة المواطنين ذوي الدخل المحدود.

وعلى الرغم من الضغوط التي تعرضت لها احتياطات المملكة من العملة الاجنبية، نتيجة للأوضاع السياسية غير المستقرة في المنطقة، الا ان البنك المركزي استطاع تجاوز هذه المشكلة، وتمكن من الاحتفاظ باحتياطي مناسب من العملات الأجنبية، كما تمكن من اعادة بناء احتياطياته ورفع مستواها الى الحد المرضي ، وهي حاليا تزداد شهرا بعد آخر نتيجة لاستقرار الأوضاع في المنطقة، والدعم الذي تمكنت حكومتي من الحصول عليه لبناء هذه الاحتياطات. كما أن البنك المركزي تمكن من متابعة عملية التحكم في أسعار الصرف المعتاد.

لقد نجحت حكومتي في تخفيض أعباء خدمة الدين الخارجي سواء أكان ذلك بصورة مباشرة بالغاء أجزاء من الدين أم من خلال شراء الدين بعد الحصول على خصم عال. وقد تم التوقيع على اتفاقية مع دول أعضاء نادي باريس ودول اخرى لاعادة جدولة(1340) مليون دولار. كما تم التوقيع على الاتفاقية النهائية مع البنوك التجارية أعضاء نادي لندن، لاعادة هيكلة جميع الديون التجارية المستحقة والبالغة (895) مليون دولار.

وتأمل حكومتي أن تستمر في تطبيق هذه السياسات الاقتصادية والمالية في العام القادم اذ يتوقع أن يستمر الاقتصاد الوطني بالنمو بالنسب المرتفعة نفسها التي حققها في الاعوام الثلاثة الماضية بالاضافة الى تخفيض عجز الموازنة العامة وعجز الميزان التجاري، والمحافظة على المستوى العام للاسعار، ومواصلة الجهود الرامية الى تخفيض عبء المديونية الخارجية. وستعتمد سياسة الاستثمار على اعصاء دور أكبر لاستمثارات القطاع الخاص واعادة هيكلة بعض المؤسسات العامة لتحويلها الى شركات عامة، ومن ثم تحويل بعض ملكيتها وادارتها الى القطاع الخاص بهدف تحسين مستوى الاداء والكفاءة وتحفيز مشاركة القطاع الخاص واستثماراته في مسيرة التنمية.

حضرات الأعيان، حضرات النواب،

لقد سعت حكومتي لتحقيق التقدم المطلوب في مجالات التربية والتعليم والثقافة والتوجيه والاعلام، ففي مجال التربية والتعليم واصلت حكومتي توفير الخدمات التربوية وتطوير المرافق والتسهيلات التعليمية، وأولت عناية قصوى للبناء المدرسي الشامل، فانخفضت نسبة الطلبة في الأبنية المستأجرة الى أقل من (14%) ونسبة الطلبة في المدارس ذات الفترتين الى (10%) . وقد أصدرنا توجيهاتنا الى حكومتنا من أجل تحسين أوضاع المعلمين، وذلك بتخصيص علاوة مهنية للمعلم ترتبط بالتأهيل والانجاز، وتوفير قرض بحوالي(20) مليون دينار لصندوق اسكان المعلمين تتحمل الخزينة فوائده. كما استكملت الوزارة تطبيق المناهج والكتب المدرسية الجديدة لجميع صفوف المرحلة الاساسية وسيكتمل تطبيقها في مرحلة التعليم الثانوي خلال العام القادم،كما ستعمل على تطوير أساليب التدريس والتقويم والامتحانات العامة، وتجدر الاشارة الى ما تحقق من انجاز في مجال محو الأمية اذ انخفضت نسبتها بين من تجاوزت اعمارهم الخامسة عشرة الى (14%).

وعلى صعيد التعليم العالي فان حكومتي حريصة على ترسيخ استقلال الجامعات ومنحها كل الدعم لتأكيد قدرتها على التميز، وقد حسنت اوضاع العاملين فيها، وتجري مراجعة شاملة لأوضاع التعليم العالي لرفع كفاءته، وتوثيق علاقته مع الحاجات التنموية. ودراسة أوضاع كليات المجتمع لاعادة الهيكلة اللازمة لها للملاءمة بين خريجيها وتلبية حاجات المجتمع المتغيرة باستمرار.

ويبعث في النفس الرضا، ويضيف صورة زاهية الى عطاء هذا الوطن لامته افتتاح جامعة آل البيت بمستويات الدراسة العليا الثلاثة لابناء الأمة وعلمائها الذين وفدوا الى رحابها، ونأمل أن تنال هذه الجامعة الاسلامية العالمية ما تحتاجة من دعم ومؤازرة لتنهض بمسؤولية اعادة بعث الخطاب الاسلامي الى الأمة والعالم أجمع .

لقد عملت حكومتي على رعاية الشباب والرياضة وحرصت على اكمال المجمعات والمنشآت الرياضية في عدد من مدن المملكة ويجري حاليا انشاء مدينة رياضية متكاملة في الزرقاء وتأسيس مركز اعداد المدربين والقادة الرياضيين. وستعمل على استكمال مشاريع المراكز النموذجية واحياء معسكرات الحسين للعمل والبناء لاستثمار طاقات الشباب في بناء الوطن.

أما في مجال الثقافة فقد حرصت حكومتي على دعم الحركة الثقافية وتنشيطها ورعاية المبدعين وحماية الابداع، ودعم الكتاب والأدباء والفنانين، وازدادت الهيئات الثقافية والمسرحية والفنية، وستعمل حكومتي على انجاز مشروع قانون نقابة الفنانين ، ومشروع قانون صندوق التنمية الثقافية، كما ستعمل على فتح مراكز ثقافية في مختلف المحافظات، وايلاء عناية خاصة للمكتبة الوطنية والمركز الثقافي الملكي.

أما في مجال الاعلام فتؤكد حكومتي حرصها الكامل عرى حرية الرأي والتعبير في وسائل الاعلام والصحافة وفق أحكام القانون، وفي اطار من احترام الحقيقة وقيم الامة وتراثها الخالد،والدفاع عن مصالح الوطن العليا، وحماية حقوق الآخرين، بعيدا عن ظواهر الاتهام والابتزاز والاثارة.

حضرات الأعيان، حضرات النواب،

لقد واصلت حكومتي تطوير الخدمات الصحية وتوسيعها في المجالات العلاجية والوقائية، ويتوقع أن يصبح عدد أسرة المستشفيات(2788) سريرا في نهاية هذا العام، ويجري العمل في انشاء مستشفيات جديدة حكومية وخاصة منها مستشفى الملك عبد الله في جامعة العلوم والتكنولوجيا.

اما في مجال التشريعات الصحية فقد صدر نظام صحة وسلامة الغذاء ونظام فحص الادوية وستحال الى مجلسكم الكريم مشاريع قوانين الغذاء والدواء والتأمين الصحي الشامل. وأحالت حكومتي الى مجلسكم الكريم مشروع قانون البيئة الذي يتضمن انشاء مؤسسة البيئة لتتولى اقرار السياسة البيئية، واعطاء حوافز ضريبية للمحافظة عليها من عوامل التلوث. وقد بدأت حكومتي هذا العام بتنفيذ مشاريع مهمة لحماية البيئة منها مشروع المحافظة على واحة الأزرق ومشروع محمية ضانا.

وفي مجال التنمية الاجتماعية والحد من الفقر وتحسين احوال ذوي الدخل المتدني فقد واصلت حكومتي تفعيل دور صندوق المعونة الوطنية، وصندوق التنمية والتشغيل، وزيادة الاشراف على الجمعيات الخيرية، ودعم شبكات الحماية والعون الاجتماعي، وستعمل حكومتي على تطوير تشريعات العمل الاجتماعي، وفي مقدمتها اخراج قانون لحماية الطفولة، وزيادة تماسك الاسرة، وصون خياراتها.

وعملت حكومتي على استقرار اسعار المواد الغذائية الأساسية ضمن حدود الدعم المقرر مع ايصاله الى مستحقيه. ودعم الانتاج الزراعي المحلي، وتأمين مخزيون استراتيجي من المواد الغذائية بزيادة الطاقة التخزينية في مناطق المملكة المختلفة. ويجري التوسع في انشاء الصوامع والمستودعات وأسواق المؤسسة الاستهلاكية المدنية.

وفي المجال الزراعي فقد تابعت حكومتي مشاريع استصلاح الاراضي وحفظ التربة وانشاء المحميات الرعويةوالحفائر الترابية، كما بدأت بتنفيذ مشروع زيادة انتاج الغذاء ومشروع تنويع مصادر الدخل للأسرة الفقيرة. وقد بلغت القروض الزراعية (6.8) مليون دينار استفاد منها (3259) مزارعا. كما قامت حكومتي دعما للمزارعين بتحمل فوائد القروض الزراعية التي بلغت (11) مليون دينار تقريبا.

وفي مجال المياه، ونتيجة لعدم التوازن بين الحاجات والمواد المتاحة، فقد عمدت حكومتي الى ايجاد مصادر مائية جديدة وتطويرها واستغلالها، وقد تم انجاز مشروع جر مياه الهيدان لخدمة محافظتي العاصمة ومادبا، كما يجري حاليا تنفيذ خطة طموحة لاستبدال شبكات المياه القديمة في مدن المملكة المختلفة. وتقوم حكومتي بتنفيذ خطة لانشاء عدد من السدود حيث بوشر بانشاء سد الكرامة، ويجري استكمال الدراسات والتصاميم لسدود الوالة والموجب والتنور، كما يجري انشاء الحفائر والسدود الصحراوية بجهد مشترك مع قواتنا المسلحة، ويجري حاليا التوسع في خدمات الصرف الصحي للمحافظة على البيئة وحماية مصادر المياه.

لقد واصلت حكومتي جهودها الحثيثة لتحقيق المزيد من الانجازات في المجالات ذات الصلة بخدمة المواطن وتقديم الرعاية اللازمة له، وفي مقدمة ذلك رعاية العمال ودعم النقابات العمالية، وأودعت مجلسكم الكريم مشروع قانون جديد للعمل يحقق مكتسبات جديدة للعمال، وتحسين ظروف التشغيل، ويراعي شؤون المرأة العاملة، ويشمل لأول مرة العمال الزراعيين.

كما عملت حكومتي على تنظيم سوق العمل وضبط العمالة الوافدة، وتعمل حاليا على اخراج مؤسسة تشغيل القوى العاملة الى حيز الوجود، وتطوير التدريب المهني، ووضع مشروع قانون لتنظيم العمل المهني وتوسيع مظلة الضمان الاجتماعي.

وفي مجال الاسكان فقد أنجزت حكومتي خمسة مشاريع في عمان واربد والعقبة بطاقة (3183) وحدة، ويجري حاليا تنفيذ ثمانية مشاريع في عمان وعين الباشا والسلط والزرقاء والعقبة بطاقة (3758) وحدة يتوقع انجازها في مطلع العام القادم.

وعملت حكومتي على انجاز(350) كيلو مترا من الطرق الرئيسية و (150) كيلو مترا من الطرق القروية وشق عدد كبير من الطرق الزراعية، وتعبيد البعض منها، ويجري حاليا استكمال طريق الزارة، والجزء الثاني من طريق اربد الشونة الشمالية، وعدد آخر من الطرق، وستستمر حكومتي في انشاء الطرق مع التركيز على الطرق الزراعية، ودعم قطاع الانشاءات للقيام بمهامه بكفاية.

أما في مجال النقل فان حكومتي تجري حاليا مراجعة شاملة لقطاع النقل البري لتحديد احتياجاته وتنظيمه وتجديد اسطوله، واعادة هيكلة مؤسسة النقل العام، ودراسة الجدوى الاقتصادية لانشاء خط سكة حديد من عمان الى الحدود السورية. ومن الجدير بالملاحظة أن تحسنا ملموسا قد طرأ على اداء الملكية الاردنية التشغيلي حيث نقلت (1,2) مليون راكب خلال العام الماضي، وزادت ايراداتها بمبلغ (30) مليون دينار، وتم رفع رأسمالها من (21) الى (70) مليون دينار، ويجري العمل على تحديث اسطولها لمواكبة حركة النقل العالمية ومتطلبات المرحلة القادمة، وقد شارفت على الانتهاء من الدراسات المعمقة لتحويلها الى شركة مساهمة عامة.

أما في مجال السياحة فان المؤشرات السياحية لهذا العام مطمئنة فقد زاد عدد زوار المملكة بحوالي 50% ، ولما كانت المرحلة القادمة بحاجة الى استثمارات واسعة تستهدف تطوير امكانياتنا السياحية والعلاجية فان حكومتي تولي عناية خاصة للقطاع الخاص للاسهام الرئيسي في هذا المجال. ونظرا لأهمية الطلب السياحي على البتراء فقد تم تشكيل لجنة عليا للتنمية السياحية المستديمة، ومجلس تخطيط اقليمي للمنطقة يضم جميع المعنيين وبمشاركة القطاعين العام والخاص. وتقوم احدى الشركات المتخصصة حاليا بانجاز الدراسة الفنية واقتراح المشاريع السياحية والعلاجية لتطوير الشاطئ الشرقي للبحر الميت. كما تم طرح عطاءات لبناء استراحات سياحية في عدد من المواقع، وتم انجاز مدرسة الفسيفساء في مادبا، واحالة عطاء دراسة الجدوى الاقتصادية والتصاميم لانشاء المرافق السياحية في حمامات عفرا بالطفيلة.

أما في ميدان الآثار فان حكومتي تقوم بتنقيبات منتظمة في المواقع الأثرية من خلال (45) حفرية بالتعاون مع البعثات الدولية بالاضافة الى أعمال الصيانة والترميم في كل من البتراء والعقبة والكرك وعجلون وجرش وأم قيس وعمان وأم الجمال والقصور الأموية والقلاع الاسلامية والبرك الأثرية.

وقد توسعت الحكومة في مجال الاتصالاتت خاصة في خدمة البريد الممتاز فارتبط الاردن بما ينوف على (150) دولة، وأنجزت المباني والمكاتب والوكالات البريدية المطلوبة، كما توسعت في الخدمات الهاتفية فارتفع عدد المشتركين الى (298) الفا، ويجري حاليا انشاء مقاسم في عدد من المدن والقرى في مناطق مختلفة من المملكة.

ركزت حكومتي جهود التنقيب عن النفط والغاز في مناطق الريشه والبحر الميت والسرحان والاغوار الشمالية، وأحالت عطاء لتركيب أربع وحدات غازية احداها في منطقة الريشة، بالاضافة الى وحدتين بخاريتين في محطة العقبة الحرارية، واحالت عطاء الربط الكهربائي مع مصر كجزء من مشروع الربط الكهربائي بين الاردن وسوريا ومصر والعراق وتركيا. وفي اطار مشروع كهربة الريف يجري ايصال التيار الى (433) قرية وتجمعا سكانيا، وتعمل حكومتي على تحويل سلطة الكهرباء الى شركة مساهمة عامة تملكها الحكومة قبل نهاية العام الحالي.

حضرات الأعيان، حضرات النواب،

هذه صورة عامة لطموحات انجزتها حكومتي، وخطط تعمل على انجازها ضمن رؤية شاملة للاصلاح والتغيير، ولم يحل هذا الانجاز والاصرار على متابعة في سائر القطاعات والمواقع دون التركيز على عملية المفاوضات بهدف الوصول الى سلام عادل وشامل ودائم، يلتزم بالشرعية الدولية، ويعيد حقوقنا كاملة.

لقد وفرنا في مدريد مظلة للأشقاء الفلسطينيين مكنتهم من المشاركة في المؤتمر، والتفاوض من اجل الوصول الى حقوقهم المشروعة في وطنهم، وقد كان ما تعرفون من اتفاقات أدت الى قيام السلطة الفلسطينية بالشكل الذي ارتضته منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني. أما نحن فقد تابعنا التفاوض حول المسار الاردني وفق الأولويات التي حددناها لوفدنا المفاوض. ثم جاء اعلان واشنطن خطوة متقدمة على طريق الوصول الى حقوقنا، وما تبع ذلك من انتقال عملية التفاوض الى مواقع حقوقنا السيادية في الارض والمياه. ولقد استطاعت حكومتي، بعد مفاوضات جادة ومطولة، بذل فيها المفاوض الاردني جهدا وطنيا متميزا يستحق التقدير والعرفان من أبناء شعبنا الوفي الذي يقدر الانجاز والدفاع عن حقوق الوطن في كل الميادين.... لقد استطاعت حكومتي ان تتوصل الى مشروع معاهدة للسلام مع اسرائيل تتفق مع الثوابت الاردنية والشرعية الدولية، وتضمن استعادة حقوق الاردن الكاملة في ارضه ومياهه، وترسيم حدود دولية دائمة بين الدولتين ، وفتح امكانيات التعاون في مختلف المجالات بموجب اتفاقيات يتم الوصول اليها في وقت لاحق.

لقد أكد مشروع المعاهدة على شمولية السلام لجميع الجبهات، وعدالته وديمومته ، وأبرز دور الاردن المتميز، وموقعة المركزي المتقدم في المنطقة بشكل يعزز امنه وطمأنينته، ويؤكد سيادته، وكرامته الوطنية والقومية، ويدفع عنه أسباب الأذى والعدوان، ويتيح له فرص التقدم والتنمية الشاملة، ومعالجة قضاياه الأساسية، وبخاصة في مجالات الفقر والبطالة والمياه والطاقة، وتعزيز مكانته الاقليمية والدولية، ولسوف تتقدم حكومتي الى مجلسكم الموقر بمشروع قانون من أجل السير في الاجراءات الدستورية لتصديق تلك المعاهدة.

حضرات الأعيان، حضرات النواب،

لقد عملنا من أجل السلام دفاعا عن حقوقنا، وحماية لأجيالنا، ومحاولة لفتح آفاق التقدم بعد زمن طويل ضاعت فيه العديد من الفرص. ولقد سرنا الى السلام بتوافق وطني، وعملنا من أجله بالروح نفسها التي قاتلنا بها دفاعا عن أرضنا وكرامة امتنا باجماع وطني اردني حين كان على الاردنيين أن يسقوا ثرى الوطن والأمة بدم طاهر لا يطلب مكسبا ولا يدعي منه.

اننا نأمل ان تكون هذه المعاهدة بداية لمرحلة جديدة تؤدي الى انجاز سلام شامل يعم المنطقة كلها، وتجد شعوبها في ظله فرصا جديدة للبناء والتقدم. وسندعم جميع أشقائنا في المسارات العربية الاخرى للوصول الى حقوقهم الكاملة. وسنبقى على الدوام دعاة تنسيق مع جميع الاشقاء العرب في مختلف المواقف، منطلقين دائما من قرارنا الاردني المستقل، بعيدا عن الهيمنة واستلاب الادوار.

حضرات الأعيان، حضرات النواب،

لقد عملنا بكل طاقاتنا لعودة التضامن العربي، وأعلنا استعدادنا لتجاوز المواقف والتجارب السابقة بحلوها ومرها، ومددنا أيدينا للأشقاء كلهم، حتى تعود امتنا لأخذ دورها الرائد في عالم جديد لا بد أن يقوم على العدل والمساواة وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها على أرضها بحرية، مؤمنين بأنه لن يكون لنا مستقبل مشرق، الا بالتكاتف والتعاون على ما فيه خير هذه الأمة العربية الاسلامية التي آن لها أن تنهض من كبوتها، وتتخلص مما ران على مسيرتها من سكون، وما تعرضت له من جمود وجحود ، ولهذا سنعزز علاقاتنا مع الدول العربية والاسلامية، ونفتح آفاق التعاون مع الدول الصديقة الى ابعد مدى يخدم مصالحنا المشتركة معها، ويساعدنا في مواجهة ظروف المستقبل ومتطلباته.

حضرات الأعيان، حضرات النواب،

ان هذا الوطن العزيز محتاج الى طاقات ابنائه كلهم ، وهو وطن رسالة وصاحب قضية، واذا كانت ظروف الأمة من حولنا تقف في طريق تحقيق مشروع النهضة القومي الشامل، فاننا سنظل متمسكين به، فنحن أبناء الرجال الذين حملوا راية الثورة باسم الأمة، وقاتلوا في الفضاء العربي باسم الأمة، وصمدوا على اسوار القدس وعند النهر الخالد باسم الأمة، وان لنا من موقعنا في القلب من أرض الأمة، ومن اعتدالنا في الفكر والسياسة، ومن دفاعنا عن الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان، لنا من هذا كله ما يجعلنا دولة رسالة تظل يقظتها على عروبتها حاضرة، ودفاعها عن الأمة واضحا ومتميزا، وهي في كل ما تسعى اليه وتنجزه انما تستند الى صدق ف يالموقف، وجرأة في قول الحق، والتزام بالمبادئ لا يتغير، واصرار على استقلال الموقف والقرار، هذا الاستقلال الذي لا نقبل فيه مرجعا غير الدستور والأمة التي جعلها الدستور مصدر السلطات.

حضرات الأعيان، حضرات النواب،

أحييكم مرة ثانية، وأدعوكم الى المزيد من التعاون والعمل والعطاء، وأبارك لكم جهدكم ومسيرتكم، والله نسأل أن يحفظ الاردن العزيز من كل مكروه، وأن يمد شعبنا الاردني الواحد بالعزم والوعي والخير، وأن يوفقنا جميعا لما فيه مرضاته، مستلهمين قوله تعالى:
" ان أريد الا الاصلاح ما استطعت وما توفيقي الا بالله عليه توكلت واليه أنيب" صدق الله العظيم .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..

© 2017 مجلس الاعيان الأردني. جميع الحقوق محفوظة