خطاب العرش في افتتاح الدورة العادية الثانية لمجلس الأمة الأردني الحادي عشر
نسخة للطباعةارسل هذه الصفحة

الحسيــن بن طــلال
خطـاب العــرش
فــي
افتتاح الدورة العادية الثانية
لمجلس الأمة الأردني الحادي عشر



يـــوم السبـــت
الواقع فـي 29 ربيع الثاني سنة 1411 هجرية
الموافق 17 تشرين الثاني سنة 1990 ميلادية

بسـم اللــه الرحمـن الرحيم

حضرات الأعيان، حضرات النـواب،

بسم الله وعلى بركته، أفتتح الدورة العادية الثانية لمجلس الأمة الحادي عشر، وأحيي فيكم جميعا العمل الدؤوب والعطاء المخلص خلال السنة الماضية مــــن عمر مجلسكم هذا لإنجاح مسيرتنا الديموقراطية التي أصبحت مصدر قوة هـــذا الوطن ومنعته وتلاحم شعبه، وغدت مثالا يحترم ويحتذى لما تمثله مـــن جدية في مواصلة مسيرة التقدم ووعي للمسؤولية التاريخية.

ان ما شهدناه من تفاعل بناء مع أهداف الوطن وحاجاته ومع قضايا الأمة وتطلعاتها، والتعاون الايجابي بين السلطتين التنفيذية والتشريعية هما مصدر فخرنا واعتزازنا، وان ثقتنا لعميقة في أن يترسخ هذا التفاعل وأن يتعمق ذلك التعاون بما يكفل اجتياز الأزمات وبناء الأردن النموذج على قاعدة من الحرية والديموقراطية والأمن، وعلى هدي من رسالة الثورة العربية الكبرى، محافظا على عقيدته الاسلامية وقيمه الروحية، مؤمنا برسالته، وفيا لأمته، مضحيا في سبيل أهدافها العليا واجيالها الآتية.

حضرات الأعيان، حضرات النـواب،

لقد التزمت حكومتي بالدستور نصا وروحا، وعمقت الحوار الحر في أجواء من التسامح والانفراج، فحققنا جميعا مسؤولين ومواطنين، انجازا رائعا متميزا دفع مسيرة الديموقراطية والشورى الى الأمام، وتمكنا بالحكمة والوعي، من التعامل مع الظروف الصعبة التي واجهتنا. وحمايــة للمسيرة الديموقراطيـة وبهدف الوصول بها الى صيغة شاملـة مستمدة من أحكام الدستور ومن الثوابت التي تقوم عليها المملكة، وترسيخا للمفاهيم الوطنية والقومية التي تسير الدولة على هديها وتعمل التنظيمات السياسية والمهنية بموجبها، فقد شكلنا اللجنة الملكية المكلفة بصياغة الميثاق الوطني التي نأمل أن تقدم خلاصة مداولاتها وأبحاثها قبل نهاية هذا العام، حيث يتم في ضوئها وضع التشريعات المتعلقة بالأحزاب السياسية والمطبوعات والتنظيمات المهنية والشبابية.

وفي اطار التزامنا بتعميق المسيرة الديموقراطية، عملت حكومتي على تعزيز التلاحم بين أبناء الشعب الواحد، في اطار من تحمل المسؤولية، والحرص على الأمن والطمأنينة، وتأكيد دور المواطن في حماية الجبهة الداخلية، وظلت عند التزامها بالعناية بمرفق القضاء، والحفاظ على استقلاله، وتجميد الأحكام العرفية والغائها عند زوال السبب الذي يحول دون ذلك، وقدمت لمجلسكم الكريم مشروعا لقانون الدفاع بديلا عن القانون المعمول به، كما أفرجت عن المعتقلين السياسيين، وأعادت معظم المفصولين لأسباب سياسية الى وظائفهم، وما تزال عملية اعادة الباقين مستمرة، وصانت حريات المواطنين فـــي لعمل والتنقل والسفر، وتعززت مصداقية الاعلام، وتحملت الصحافة مسؤولياتها في أجواء الحرية والالتزام.

حضرات الأعيان، حضرات النـواب،

ان قضية فلسطين هي قضيتنا المركزية التي نعيشها وتعيش معنا، والتزامنا بها أصيل لا يحتاج الى تأكيد، وسنبقى أمناء على الالتحام المصيري بالشعب الفلسطيني المجاهد ندعم انتفاضته الوطنية الباسلة ونعزز صموده على أرضه بما نملك ونستطيع، ونعمل مع منظمة التحرير الفلسطينية بكل الوسائل والسبل لتقوم دولته الحرة على أرضه المباركة الطهور. وقد تميز هذا العام بتزايد المخاطر التي نواجه في ضوء تصاعد تطرف العدو الصهيوني واستغلاله للظروف والمتغيرات الدولية وتوظيفها لمصلحة هدفه المعلن في اقامة اسرائيل الكبرى، اذ تدفق على ارض فلسطين ما يزيد على مئة وخمسة وعشرين الف مهاجر خلال هذا العام، وتشير التقديرات الأولية الى أن عدد المهاجرين المتوقع وصوله سيتجاوز المليون خلال فترة قصيرة قادمة. لقد تزامنت هذه الهجرة مع انفراد اليمين الاسرائيلي بالسلطة ورفض العدو لأية تسوية سياسية للصراع العربي الاسرائيلي تقوم على الشرعية الدولية وعلى الانساحب التام من الأراضي العربية المحتلة مقابل السلام.

لقد عملت حكومتي وبمساندة مـــن مجلسكم الكريم والقوى الشعبية الفاعلة، لوضع أمتنا العربية والمجتمع الدولي أمام مخاطر موجة الهجرة اليهودية، على حقوق الشعب الفلسطيني في أرضه ووطنه، وعلى أمننا الوطني في هذا البلد، وعلى الوجود العربي كله.

وانعقدت في ظل هذه الأوضاع المستجدة، قمة بغداد في نهاية شهر أيار الماضي، وكان الأمن القومي موضوعها الرئيسي، وظهر في هذه القمة الاحساس الشامل بخطورة الأمر، والأهمية القصوى لدعم صمودنا في الأردن وصمود شعبنا في فلسطين باعتبار الأردنيين والفلسطينيين خط الدفاع الأول القادر على احباط مخططات العدو، وضرورة تمكيننا على هذه الساحة من مواجهة التحديات بقوة واقتــدار، وتمكين الشعب العربي الفلسطيني من مواصلـــة انتفاضته الباسلة حتى تتحقق اهدافه الوطنية النبيلة في اقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية.

لقد تأكدت لنا خلال المؤتمر بوادر خلاف متفجر بين العراق والكويت، فسعينا مع بعض اشقائنا الى محاولة احتوائه ونزع فتيل تفجره تجنبا لأثره المدمر على التضامن العربي فـــي هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ أمتنا، وهي تواجه التغيرات الجذرية في العلاقات الدولية، وكان تصورنا أن أي فشل في ايجاد حــل عربـــي لذلك الخلاف سيعصف بأمن المنطقة ويضعها في مواجهة كارثة محققة، تجهز على حاضرنا وتضع مستقبلنا بأيدي سوانا.

واندلعت أزمـــة الخليج، التي أدت تطوراتها الـى وضعنا جميعا أمام منعطف خطير في مسيرة الوطن والأمة، وما كان لهذه التطورات أن تقع لو أن جهودنا لتسوية الخلافات بين الأشقاء العراقيين والكويتين نجحت، الا أن تلك الجهود اصطدمت بتصلب المواقف، وبما نواجهه الآن من حشد عسكري أجنبي كبير على الأرض العربية، بكل ما يمثله من تهديد صريح ومتواصل لآمال الأمة وتطلعاتها، الى وطن عربي عزيز موحد. وبالرغم مما حدث، فان مساعينا التي بدأناها قبل الثاني من آب لم تتوقف، فحاولنا في مجلس الجامعـــة العربية، وفي قمة القاهرة الطارئة، وعبر اتصالاتنا مع الأشقاء، احتواء الخلافات العراقية الكويتية داخل اسرتنا العربية الواحدة من منطلق أنه خلاف بين دولتين عضوين في الجامعة العربية. ولم يمنعنا خروج أزمة الخليج الى الساحة الدولية من متابعة الجهد والعمل للوصول الى التسوية السياسية التي تعيد الأزمة الى اطارها العربي، وتوفر لها أسباب التسوية العربية، التي تضمن للدولتين الشقيقتين مصالحهما وحقوقهما، ووجد الموقف الأردني تفهما وتجاوبا متزايدين مع تزايد حدة الأزمة، وغدا الأردن عاصمة للتحرك السياسي الدولي نتيجة لعقلانية هذا الموقف وثباته وواقعيته، بالرغم من جميع الانعكاسات السلبية التي جاءت نتيجة له، والتي اثرت وما زالت تؤثر بصورة مباشرة وخطيرة على أوضاعنا الاقتصادية.

ولا بد من أن أشير الى ان تباعد المواقف العربية ازاء ازمة الخليج لا يمكن أن يكون سببا للقطيعة أو العداء مع أي من اشقائنا ممن يختلفون معنا في النظرة والموقف، او لا نتفق وأياهم في أسباب الأزمة وسبل معالجتها، فنحن لا نكن لاشقائنا سوى المحبة والخير، وقد ارتبطنا وإياهم في الماضي، وتربطنا الأخوة العربية معهم دائما، ونثق أن كل ما حدث حتى الآن لن ينسينا مسؤوليتنا ولن ينسيهم مسؤوليتهم نحو موقعنا ونحو اهلنا في فلسطين المحتلة، فنحن البوابة الصامدة دفاعا عن الأمة، ونحن الثابتون الصابرون الصامدون في مواجهة مخططات التوسع التي تستهدفهم كما تستهدفنا، وتتربص بهم كما تتربص بنا.

وانه لمما يبعث في النفس الأسى والغضب، أن ترتكب على ارض الاسراء والمعراج وفي ساحات المسجد الأقصى المبارك مجزرة رهيبة ضد شعبنا الفلسطيني الذي يدافع عن مقدساتنا في وجه من يريدون هدمها وبناء الهيكل على أنقاضها، فيذهب ضحيتها عشرات الشهداء البررة، ويسقط مئات الجرحى الشرفاء، وهي مجزرة مستمرة وبتصميم مخطط تجري يوميا على ‏أرض فلسطين
كلها، فلا تتحرك القوى التي تقف وراء التصعيد المسلح وتشنج المواقف والحصار الاقتصادي في منطقة الخليج، الا بإدانة خجولة للضحية والقاتل، وتقف عاجزة أمام التعنت الاسرائيلي الرافض لقرارات مجلس الأمن الدولي، ولا يرف جفن للمطالبين بالشرعية الدولية وحماية حقوق الانسان، الأمر الذي يؤكد أن المواقف تتجاوز ذلك الادعاء الى الهيمنة على المصير العربي والسيطرة على ثروات الأمة. وهذا يستدعي منا الاصرار المستمر على ضرورة أن توفر الأسرة الدولية الحماية والأمن لهذا الشعب في وجه سلطات الاحتلال الصهيوني وانتهاكها المستمر لحقوق الانسان.

ان هذه الازدواجية في تعامل الشرعية الدولية مع قضية فلسطين ومع أزمة الخليج، تثير لدينا، ولدى كل الشعوب المحبة للعدل والسلام تساؤلات كثيرة ومريرة، اذ بينما تصدر القرارات وتتم متابعة تنفيذها فـي منطقة الخليج بالحظر والقوة والحصار، يتم اصدار القرارات فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية دونما أدنى متابعة أو حرص على تنفيذها، وهنا نتساءل، لماذا يتواصل رفض الربط بين المسألتين، بالرغم مـــن أن القرارات الدولية المتعلقة بهما، قد صدرت عن الأمم المتحدة وبموجب ميثاقها؟.

حضرات الأعيان، حضرات النـواب،

لقد باشرت حكومتي مسؤوليتها مع استئنافنا لمسيرتنا الديموقراطية، والوطن يواجه أزمة مالية وتراجعا اقتصاديا، فعملت على تنفيذ برنامج التصحيح الاقتصادي وتقييمه وتطويـــره بانتظام، بهدف استئناف النمو الذاتي، وتحقيق التوزان الاقتصادي، وتعزيز احتياطيات المملكة من العملات الأجنبية، كما عملت على خلق المناخ الضروري لتفعيل دور القطاع الخاص وزيادة الاستثمار والصادرات الوطنية.

ان المؤشرات الأولية للنصف الأول من هذا العام - وباعتراف المنظمات الدولية المتخصصة - تدل على أن الاقتصاد الأردني قد شهد نموا مرضيا شمل جميع القطاعات، وتجاوز النمو الحقيقي للانتاج الصناعي (5%) في المتوسط، كما تمكن قطاعا الزراعة والبناء من تحقيق نمو مرض في حين أظهرا تراجعا في العام الماضي.

وقـد ارتفعت الصادرات الوطنية خلال النصف الأول من هذا العام بحوالي (2ر3 %) بينما انخفضت المســتوردات بنسبة (3‏%) مقومة بالدولار، وبدأت حوالات الأردنيين بالارتفاع بعد انخفاضها خلال العامين الماضيين، وارتفعت أرصدة المملكة من العملات الأجنبية الى ( 646 ) مليون دولار بعد أن كانت (465) مليون دولار في نهاية العام الماضي، وتعززت الثقة بالدينار واستقرت اسعار صرفه، وانحسرت الاتجاهات التضخمية وثبت الرقم القياسي لتكاليف المعيشة ابتداء من شهر نيسان.

كما نظمت حكومتي المؤسسات المصرفية واعادت هيكلتها ووفرت المزيد من السيولة للمؤسسات التي واجهت بعض الأزمات، وقد انتهت الحكومة من اعداد مشروع قانون جديد لتنظيم أعمال الصرافين ومن اعداد تعديل قانوني البنوك ومراقبة العملة.

حضرات الأعيان، حضرات النـواب،

لقد نجحت حكومتي في تخفيض عجز الموازنة الى حوالي (15 %) من الناتج المحلي الاجمالي في نهاية النصف الأول من هذا العام. وذلك بإعادة النظر في هيكل النظام الضريبي للتوسع في مبدأ العدالة الضريبية وتحسين ايرادات الخزينة، بالاضافة الى تحسين تحصيل تلك الايرادات التي زادت خلال النصف الأول من هذا العام بحوالي ( 63 % ) عما كانت خلال الفترة نفسها من العام الماضي.

كما سعت حكومتي الى ضبط الانفاق الحكومي وترشيده مع المحافظة على مستوى جيد من الخدمات والاستمرار في تقديم الدعم لمستحقيه. ومن المتوقع الا تزيد النفقات الجارية خلال هذا العام عما قدر لها في قانون الموازنة العامة باستثناء دعم المواد التموينية الذي قد يظهر تجاوزا لارتفاع الأسعار العالمية وزيادة الاستهلاك والاستمرار بتوفير السلع الأساسية باسعار مدعومة.

وأولت حكومتي عناية خاصة لادارة الدين العام، وذلك من خلال الالتزام بسقف محدد للاقتراض الداخلي، والحد من الاقتراض التجاري، وقصر الاقتراض الخارجي علـــى القروض التنموية بشروط ميسرة لدعم ميزان المدفوعات.

حضرات الأعيان، حضرات النـواب،

عنيت حكومتي بتحقيق الأمن الاجتماعي بمفهومه الواسع ليشمل معالجة مشكلة البطالة، فحسنت قاعدة المعلومات عن القوى العاملة الأردنية والوافدة، واتخذت الاجراءات لضبط سوق العمل وتنشيطه، وعممت مراكز التدريب المهني على مختلف مناطق المملكة لتوفير التدريب لما يزيد على (10) آلاف متدرب خلال هذا العام و (14) ألف متدرب خلال العام القادم مع ادخال مهن جديدة يتطلبها الاقتصاد الأردني، كما باشــر صندوق التنمية والتشغيل أعماله لدعم المشاريع المولدة للدخل وفرص العمل ولمحاربة جيوب الفقر ودعم التنمية الريفية.

ولما كـــان تحقيق الأمن الغذائي ركيزة أساسية لتوفير الأمن الاجتماعي، فقد عملت حكومتي على توفير السلع الغذائية الرئيسية بانتظام مع الحفاظ على استقرار اسعارها وضمان مخزون استراتيجي كاف منها، وبهدف ايصال الدعم لمستحقيه. ولترشيد الاستهلاك، فقد بدأ العمل بنظام البطاقة التموينية في مطلع شهر أيلول الماضي، وعملت الحكومة على تشجيع الثروة الحيوانية المحلية بتأمين الأعلاف بأسعار مدعومة.

حضرات الأعيان، حضرات النـواب،

وفي الوقت الذي بدأ فيه برنامج التصحيح الاقتصادي بتحقيق انجازات ملموسة، اندلعت أزمة الخليج وأدت الى القاء أعباء جمة على الاقتصاد الوطني، فاضطربت مسيرة التصحيح الاقتصادي، وانقطعت قوى الدفع الايجابي التي أوشكت أن تعيد زخم التنمية الى مساره المنشود، وبدأت القطاعات الاقتصادية واحدا تلو الآخر تعاني من الآثار السلبية للأزمة، وبخاصة قطاعات النقل والسياحة والصناعة والزراعة.

ولعل المشكلة الأصعب والأقسى ما تعرض ويتعرض له أبناؤنا العاملون في الخارج، فقد تآكلت مدخرات بعضهم التي تجمعت عبر سنوات مضنية من الجهد والعرق وخسر البعض الآخر أسباب رزقه، وشهد الأردن عودة مفاجئة لعشرات الألوف منهم، شكلت عبئا جديدا على قطاع الخدمات وزادت حدة البطالة.

ولمواجهة هذه الأزمة، وبالرغم من صعوبة تحديد ابعادها لارتباطها بعوامل يصعب التنبؤ بها، فقد تبنت الحكومة منهجا علميا لاحتواء ما أمكن من آثارها السلبية من جهة، ومحاولة تصحيح المسيرة الاقتصادية وفق هذه المستجدات من جهة اخرى، فقامت بتطبيق برامج مشددة لترشيد الاستهلاك والحد منه شملت تعديل جداول التعرفة الجمركية وتعديل أسعار المياه والطاقة للشرائح الاستهلاكية العليا للحد من الكميات المستهلكة، وركزت في هذا المجال على ترشيد الاستهلاك الحكومي بتخفيض النفقات الجارية التي ليس لها أولوية قصوى، وأعادت النظر بالنفقات الرأسمالية باتجاه اعطاء الأولوية في التنفيذ للمشاريع مكثفة الاستخدام للعمالة والمواد الأولية المحلية، مع الاستمرار بالتوسع فـــي الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة الضرورية لمواجهة حاجات ابنائنا العائدين من الخارج. ويبعث على الاطمئنان والرضا أن نجاح هذه الجهود قد جاء نتيجة وعي الشعب لمتطلبات المرحلة واستعداده للتضحية وتجاوبه الفعال مع الاجراءات الحكومية.

وأعادت حكومتي النظر بالسياسة الزراعية بهدف استغلال جميع الأراضي الزراعية وتأجير أراضي الخزينة بأجور رمزية وتنويع الانتاج لمواجهة احتياجات الأمن الغذائي، وشرعت في المجال الصناعي لمحاولة ايجاد أسواق جديدة للسلع الأردنية وتوجيه القطاع الصناعي لزيادة مخزونه من المواد الاولية الصناعية.

وكان من الطبيعي بعد كل هذه التطورات والمستجدات ان تقوم الحكومة باعادة النظر في برنامج التصحيح الاقتصادي، فشرعت في اعداد اطار كلي جديد للاقتصاد الأردني للأعوام 1991 - 1995، وتصور اولي للاستراتيجية والسياسات والاجراءات التي ينبغي تبنيها لمواجهة التحديات والمعطيات الجديدة. كما قامت حكومتي بالاتصال بالأمم المتحدة لتوضيح حجم الخسائر التي لحقت بالاقتصاد الأردني نتيجة ازمة الخليج والتزامها بتطبيق قرارات مجلس الأمن بشأنها، مطالبة بالتعويض المالي اللازم لتمكين الأردن من استيعاب أثر الأزمة على اقتصاده، وتبعت ذلك اتصالات مكثفة مع المؤسسات الدولية والمجموعـة الأوروبية واليابان وسائر الدول الصديقة ومن المؤمل أن تثمر هــذه الجهود توفير دعــم كاف للأردن لتعويضه عن خسائره الناجمة عن الأزمة.

ويقتضي المقام هنا أن أشيد بالجهود الكبيرة التي بذلتها حكومتي، بمختلف أجهزتها لاستقبال مليون وافد منذ بداية الأزمة، وتأمين وسائل رعايتهم ونقلهم، قياما بدور الأردن الانساني المشرف الذي ما توانى يوما عن أدائه مهما كانت الظروف والصعاب.

حضرات الأعيان، حضرات النـواب،

عنيت حكومتي بالتربية والثقافة والشباب فتابعت تطبيق خطة التطوير التربوي وزادت فرص التعليم العالي واهتمت برعاية الشباب على قاعدة من عقيدتنا السمحة وقيم امتنا وتجربتنا الوطنية، وعززت حرية الابداع ونشر الثقافة وانشأت المكتبة الوطنية ووضعت قانون حماية حق المؤلف، وهيأت منابر الحوار الديموقراطي.

وتوسعت حكومتي في توفير الخدمات الصحية والاجتماعية مركزة على رعاية الفئات الأقل حظا، وفي انشاء الطرق وبخاصة القروية والزراعية، واقامة مشاريع الاسكان لذوي الدخل المحدود وتوسيع شبكات الكهرباء، وتركيز البحث عن مصادر المياه الجوفية العميقة وانشاء السدود، والعناية بالبيئة.

وفي مجال التنقيب عن النفط ومشتقاته، فقد تم بجهد وطني حفر آبار جديدة في منطقة الريشة أكدت وجود احتياطيات اضافية من الغاز ويجري العمل لاضافة وحدتين غازيتين لتوليد الطاقة الكهربائية بحيث تغطي ( 25% ) من حاجة المملكة.

حضرات الأعيان، حضرات النـواب،

وفي مجال الشؤون الاسلامية، فقد انشأت الحكومة كلية الدعوة وأصول الدين وكلية جديدة للشريعة وأربع مدارس شرعية ودعمت جهاز الوعظ والارشاد واستمرت بدعم الأوقاف الاسلامية في الضفة الغربية وبخاصة المسجد الأقصى المبارك، وبدفع رواتب شهرية لاسر شهداء الانتفاضة.

وفي مجال الادارة العامة، فقد وضعت حكومتي الخطة الوطنية للتطوير الاداري موضع التنفيذ، فباشرت بتنظيم الوزارات والمؤسسات الحكومية واعادة هيكلتها ووضع مشروع للرقابة الادارية والتفتيش المركزي ووضع أسس ثابتة لانتقاء الموظفين تكفل العدالة في فرص التوظيف وتوفير الكفاءات اللازمة للادارة، كما وفرت الدعم للمجالس المحلية.

حضرات الأعيان، حضرات النـواب،

اما قواتنا المسلحة، قرة العين ودرع الوطن، وحماة الثغور الذين يعافون الغمض دفاعا عن الشرف والأرض، وتتجافى جنوبهم عن المضاجع يحمون أطول خط للدفاع عن الأمة في وجه الهجمة الصهيونية الشرسة، فستبقى حكومتي على الرغم من كل الصعوبات والأزمات، ترعاهم عددا وعدة وتدريبا وكفاءة، سترعى حكومتي عين الوطن الساهرة، رجال الأمن، الذين يصونون الجبهة الداخلية ويوفرون الأمن والاطمئنان في جو من الحرية والتسامح والحرص على وحدة الصف.

وشعبنا الأردني الواحد، بتلاحمه ووحدته الوطنية، جيش وراء الجيش، يبني الأردن على مخمصة ويحفظ ذمار الأمة على ضنك، يقبل على ميادين الجيش الشعبي الذي توسعت حكومتي بتدريبه وتأمينه بالأسلحة المناسبة للمقاومــة الشعبية وفق قدرات الخزينة وتحت ادارة قواتنا المسلحة واشرافها، وعلى قاعدة تصون أمن الوطن وتحمي أسباب منعته، وتحشد كل القوى الطيبة الصادقة في أرض الصمود والرباط، حتى نكون عند امل أمتنا بنا.

حضرات الأعيان، حضرات النـواب،

ان هذا الوطن مستقر الثورة العربية الكبرى، وفيء الأحرار من كل العرب، يرفض التجزئة والتبعية، بنيانه مرصوص بوحدة وطنية عنيدة على الاختراق والتفكك، يترجم أشواقه للوحدة العربية بالصمود وبالعمل الدؤوب على تلاحم الشعب العربي في مواجهة مخططات الظلم والعدوان، وستبقى عيوننا على القدس، نعمل فوق طاقتنا لتعود والأرض التي بارك الله حولها الى أهلها.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

© 2016 مجلس الاعيان الأردني. جميع الحقوق محفوظة