رد مجلس الأعيان على خطاب العرش في الدورة العادية الثانية لمجلس الأمة الحادي عشر
نسخة للطباعةارسل هذه الصفحة

رد مجلس الأعيان على خطاب العرش السامي
في افتتاح الدورة العادية الثانية
لمجلس الأمة الحادي عشر

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي
العربي الأمين

حضرة صاحب الجلالة الهاشمية الملك الحسين المفدى
أيده الله ورعاه

لقد تلقى مجلس الاعيان خطاب العرش السامي بكل اعتزاز وتقدير ، لما تميز به من نظرة ثاقبة تحفزنا وسائر فئات شعبنا الأردني على مواجهة المستقبل وتحدياته بعزم وتضحية وثبات.

ولقد أكد خطاب العرش السامي التحام أبناء الشعب كله ، ووحدة موقفهم من القضايا الكبيرة والخطيرة التي تواجه الوطن والامة . كما اكد ارتفاع المواطنين جميعاً الى مستوى المسؤولية بالحرص على أمن الوطن وحريته وتقدمه على هدى من عقيدته الاسلامية السمحاء ، وتمسكه بقيمه الروحية ، والتزام الحكومة بالدستور نصاً وروحاً واتاحة الفرص الواسعة للحوار الحر ، وتأكيد أهمية الديمقراطية ودورها في دفع المسيرة الوطنية الى الأمام والحرص على استقلال القضاء والتوجه نحو الغاء الاحكام العرفية .

ولقد أعطانا كل ذلك القدرة على التعامل مع الظروف الصعبة التي تواجهنا جميعاً صفاً واحداً في ظل وحدة وطنية راسخة قوامها الحرية والمسؤولية والانتماء.

وان مجلس الأعيان اذ يشيد بكل الإنجازات التي تحققت خلال هذه الفترة في اطار الديمقراطية من التحام ارادة جلالتكم وحكومتكم بإرادة الشعب ، والتفاعل الواعي والمستمر بين فئات الشعب والتزامه العميق بتوفير كل ظروف نجاح المسيرة وبلوغ غاياتها النبيلة ، ليقدر مبادرة جلالتكم بتشكيل اللجنة الملكية لصياغة الميثاق الوطني ، ويأمل ان يجيء هذا الميثاق وثيقة مرجعية مستندة الى ثوابت الدستور ، وشاخصاً وطنياً قومياً في طريق التقدم وبناء المستقبل المشرق الزاهر بعون الله ، وان يتم في ضوء هذا الميثاق " وضع التشريعات المتعلقة بالاحزاب السياسية والمطبوعات والتنظيمات المهنية والشبابية ".

يا صاحب الجلالة ،،،

ان ما تفضلتم به حول الموقف الاردني من القضية الفلسطينية ، قد جاء تأكيداً على سلامة نهجكم ، وموقف شعبكم من هذه القضية ، وجميع قضايا امتنا العربية . وهو موقف نعتبره مقياساً لصحة أي موقف عربي او دولي يحترم العدل والانصاف، ويلتزم بالقانون الدولي وحقوق الانسان .

ان القضية الفلسطينية هي قضيتنا المركزية ، نعيش معها وتعيش معنا ، حيث نظل على التحامنا المصيري بالشعب العربي الفلسطيني المجاهد ، ندعم انتفاضته الوطنية الباسلة ونعزز صموده على أرضه بكل ما نملك ونستطيع .

وقد تابع مجلس الأعيان مبادرات جلالتكم في التنبيه المبكر لاخطار الهجرة اليهودية الى ارض فلسطين المحتلة ، وحث الحكومات العربية والإسلامية والمجتمع الدولي على القيام بواجباتهم في مواجهة هذه الأخطار التي تهدد مصير القضية الفلسطينية ارضاً وشعباً ، مثلما تهدد امن الدول المجاورة واستقرار المنطقة بأسرها وبالتالي تهدد السلام العالمي.

ان مجلس الأعيان يشارككم بالغ الأسى وشديد الغضب للمجازر الرهيبة التي يرتكبها الأعداء الصهاينة ضد شعبنا العربي الفلسطيني وفي ساحات المسجد الأقصى المبارك ، هذا الشعب الباسل ، الذي ما زال يبذل الدم الزكي ويقدم قوافل الشهداء كل يوم ، دفاعاً عن مقدساتنا في وجه من يريدون هدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل على انقاضه تحدياً للأمة الاسلامية وتحت سمع الدنيا وبصرها ، دون ان تتحمل الولايات المتحدة والقوى التي تقف معها مسؤوليتها الدولية في ردع العدوان والحفاظ على حقوق الإنسان وتطبيق القرارات الدولية ، فأصرّت على ان تساوي بين الجاني والضحية في ادانه خجولة تتلبس بأبشع صيغ النفاق الدولي.

يا صاحب الجلالة ،،،

ان تفجر الأزمة بين العراق والكويت وآثارها السلبية ، وتعقيداتها التي تسببت فيها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها ، قد قوضت النظام العربي وعرضت مصالح الشعب العربي كله للدمار ، ومما يؤسف له ان بعض أشقائنا العرب قد أسهموا في تمكين الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها من حشد قواتهم العسكرية على ارض الجزيرة العربية لضرب قوة العراق والنهوض الذي يمثله واستباحة الأراضي العربية وثرواتها.

ويقدر مجلس الاعيان ابلغ التقدير ، الجهود الموصولة التي بذلتموها لاحتواء الازمة قبل استفحالها وسعيكم المخلص الدؤوب لإيجاد حل سلمي لها في الاطار العربي بعيداً عن التدخل الاجنبي ، حتى تعلو ارادة الأمة ويتجنب الوطن العربي والمنطقة كارثة محققة لا يعلم مداها الا الله ...

ان مجلس الاعيان شأنه شأن ابناء الامة العربية في الاردن وفي الوطن العربي الكبير ، يتمسكون بالسلام ، ويعملون له . الا انهم يرفضون الضعف والاستسلام لارادة قوى الشر والعدوان .

وان مجلس الاعيان لعلى ثقة ويقين من ان جلالتكم ستواصلون دوركم القومي في السعي للوصول لحل ازمة الخليج في اطارها العربي ، رغم كل التجني ، واساءة فهم الآخرين لنيل مقاصدكم.

واننا يا صاحب الجلالة ، نؤمن بالمبادىء التي تؤمنون بها والتي انبثقت عنها مواقفكم المتميزة في التصدي للأخطار التي تواجه الأمة ومصيرها ، وما عبرتم عنه جلالتكم من حرص على مستقبل العرب ووحدة الموقف القومي بكل معانيه وإبعاد مسؤولياته ، وظللتم تتمسكون بالامل ، وضرورة الحوار العربي المسؤول واستمراره ، حتى وانتم ترون الأزمة تخرج من اطارها العربي الى الساحة الدولية ، حيث ذكرتم القادة والحكام العرب ، ان الخلاف في الرأي والموقف ، لا ينبغي له ان يقطع الصلات والروابط ، أو ان ينحدر الى حملات تزيد في اسباب التمزق او تصرفات تمس المواطن العربي في معيشته ورزقه ، وحتى لا تتحول الانظار والمواقف عن مسؤوليتنا الجماعية نحو اهلنا في فلسطين المحتله ودورنا جميعاً في مواجهة مخططات التوسع الصهيوني.

يا صاحب الجلالة ،،،

ان مجلس الأعيان اذ يشارككم نظراتكم الصائبة ، ليدين الازدواجية في التعامل مع الشرعية الدولية ، ويستنكر تعدد المقاييس في الامم المتحدة وتناقضها ، والخلل الخطير الذي تكشف عنه الموقف الدولي ، حين فقد مجلس الامن الدولي مصداقيته وأصبح اداة طيعة في يد الولايات المتحدة ، فأصدر عشرة قرارات لتبرير تحريك القوى العدوانية الغاشمة وفرض الحصار ، وتابع تنفيذها في حين تجاهل تنفيذ قراراته السابقة قرارات الجمعية العامة للامم المتحدة المتعلقة بقضية فلسطين وحقوق شعبها ، فلم يتخذ خطوة واحدة لتنفيذ أي من هذه القرارات ، فهي مواجهة تمرد دولة الصهاينة ، وكان موقف الولايات المتحدة هو السبب في تعطيل تنفيذ هذه القرارات ، وما زالت ترفض مبدأ الربط بين قضية فلسطين وأزمة الخليج وتنفيذ جميع قرارات الأمم المتحدة الصادرة بخصوصهما ، مع ان هذا الربط هو الأسلوب الأمثل لتفادي الكارثة وحل الازمة حلاً سلمياً عادلاً.

يا صاحب الجلالة ،،،

ان مجلس الأعيان الذي يدرك حقائق المرحلة التي تجتازها البلاد منذ سنوات عديدة وما اشتملت عليه من ايجابيات وسلبيات ، يرى في انطلاق البلاد بمسيرتها الديمقراطية قاعدة هامة ونقطة بداية مضيئة لجهد كبير ، بمسيرتها ينبغي أن يبذل لمواجهة أزمات البلاد المالية والاقتصادية واجتثاث الجذور المريضة في بنية اقتصادنا الوطني.

ان ما أشرتم إليه يا صاحب الجلالة من إنجازات أمكن لحكومتكم أن تحققها ، تعتبر بدايات طيبة ومعالجات مخلصة ، ولكن حجم الأزمة وعمقها يفرضان تضافر جهود كل القوى الخيرة في بلدنا ، لتحريك الفعاليات الاقتصادية وتجنيد الكفايات المتاحة ، والتوجه نحو الاقتصاد المنتج في قطاعات الصناعة والزراعة والخدمات .

لقد تحمل الاردن نتيجة أزمة الخليج والحصار الظالم خسائر اقتصادية جسيمة ، مما يؤيد حقه في التعويضات العادلة عن تلك الخسائر، بموجب ميثاق هيئة الأمم المتحدة والقرارات والتوصيات الصادرة بهذا الشأن .

اننا ندرك بان محاولات بعض الدول لمنع وصول التعويضات المالية المستحقة للاردن ، لا يمكن تفسيرها الا بأنها ممارسات متعمدة لزيادة الضغط عليه بغية اخضاعه وزحزحته عن موقفه القومي السليم .

ولا يفوتنا أن نشيد بالدور المسؤول للحكومة وأجهزتها الرسمية ، والهيئات الشعبية التطوعية في استقبال ما يقارب المليون وافد في فترة قصيرة ، و تأمين العناية والرعاية لهم في ظروف صعبة معقدة مما كان بحق دوراً أنسانياً تعتز به البلاد.

ان مجلسنا تقلقه ظاهرة البطالة المتفشية منذ فترة طويلة ، والتي تزايدت حدتها نتيجة لخروج او اخراج أعداد كبيرة من أبناء وطننا العاملين في الخليج وعودتهم الى بلدهم وقد فقدوا أعمالهم ومصادر رزقهم ، مما يتطلب معالجات سريعة وجذرية تفرض على القطاعين العام والخاص اقامة مشروعات صناعية وزراعية واقتصادية تفتح فرصاً جديدة للعمل الميداني المنتج.

يا صاحب الجلالة ،،،

ان مجلس الأعيان يقدر الدور الأساسي للقوات المسلحة والأمن العام ، ويعلم موقعها في نفس جلالتكم وأبناء شعبكم والآمال الكبيرة المعقودة عليها ، ويشارككم كل ما تتوجهون اليه من رعاية لهذه القوات وتطويرها عدداً وتدريباً واعداداً وتسليحاً لا سيما وقد تصاعدت نزعة العدوان على وطننا العزيز وأمتنا العربية . مما يفرض مشاركة الجميع في دعم قواتنا المسلحة ، كما يستدعي توسيع قاعدة الجيش الشعبي عدداً وعدةً وتدريباً، ليكون الظهير الفعال لقواتنا المسلحة ، وصون أمننا الوطني في وجه أي عدوان.

ونحن اذ نقدر الجهد المبذول لتوسيع الخدمات الصحية والاجتماعية للفئات الفقيرة من شعبنا ، نعتقد أن حق المواطن في الرعاية والخدمات الصحية حق مشروع يستوجب إيجاد نظام شامل للتأمين الصحي يؤكد أهمية توجيهاتكم السامية بهذا الخصوص وقد أصبح لمثل هذا النظام أولوية خاصة في هذه المرحلة .

يا صاحب الجلالة ،،،

لقد كان الأردن منذ تأسيسه موئلاً لكل الشرفاء والأحرار من أبناء الأمة العربية ، وكان شعبه العربي الأصيل قومياً وحدوياً حراً يعيش قضايا أمته ، فلا يفرط بحق من حقوقها ولا يتخلى عن مسؤولياته تجاهها فكان بحق مستقر الثورة العربية الكبرى وحامل رسالتها ، كما هو اليوم موحد مرصوص البنيان ، عصي على محاولات الاختراق والتفكك يرفض التجزئة والتبعية ، مصمماً على تحقيق أهداف الأمة العربية في الوحدة والحرية والتقدم .

سيدي صاحب الجلالة ،،،

يؤمن مجلس الاعيان بنهج الشورى الذي ارتضاه الاردن ركناً أساسياً في مسيرة التقدم والنهضة وخدمة الوطن والامة ، وسيمضي مجلسنا حريصاً كل الحرص على تعميق روح التعاون بين السلطتين التشريعية والتنفيذية .

وان خطاب جلالتكم السامي قد ترك في نفوسنا اعظم الأثر وأعمقه ، واننا لنجد به نوافذ اشعاع وحوافز أمل ومنطلقات عمل ، بثت روحاً جديدة ، يرتفع بها المواطن الى اعلى مستويات الشعور بالواجب والاحساس بالمسؤولية.

وفق الله جلالتكم ، وسدد على طريق الحق والنهضة والتقدم خطاكم ، وأمدكم بقوة من عنده ، وأبقاكم رمزاً شامخاً للصمود والشرف والعزة للاردن وللعرب أجمعين .

(( ولينصرن الله من ينصره ان الله لقوي عزيز))

والسلام عليكم ورحمة الله وبركته

© 2016 مجلس الاعيان الأردني. جميع الحقوق محفوظة