خطاب العرش في افتتاح الدورة العادية الاولى لمجلس الأمة الأردني الحادي عشر
نسخة للطباعةارسل هذه الصفحة

الحســين بن طـلال
خطـــاب العـــرش
فـــي
افتتاح الـدورة العاديــة الأولى
لمجلـس الأمــة الاردنـي الحـادي عشـر



يــــوم الاثنيـــن

الواقـع في 28 ربيـع الثانـي 1410 هجريــة

الموافق 27 تشـريـن الثانـي 1989 ميلاديـة

حضرات الأعيان ، حضـرات النواب ،

بسم الله الرحمن الرحيم.. العزيز الحكيم.. أفتتح هذه الدورة العادية الأولى لمجلس الأمة الحادي عشر، وأحمده تعالى أن كتب لنا التوفيق في مسيرتنا الطويلة لارساء قواعد الحياة النيابية التي كانت دائما معلما من معالم الحكم في بلدنا، ثم اني أحييكم، فردا فردا، تحية ملؤها الاعتزاز بكم والأمل في قدرتكم على تحمل الأمانة والاضطلاع بالمسؤولية، وهي مسؤولية أخلاقية مثلما هي مسؤولية تاريخية وسياسية في هذه المرحلة الدقيقة من مراحل حياتنا. وأهنئكم بما نلتم من مكانة، ولا سيما النواب المحترمين الذين نالوا ثقة ناخبيهم، فأصبح كل منهم يمثل الأردن جميعه، والشعب الأردني كله، على اختلاف مناطقه وفئاته، لا يحصر جهده في خدمة الناخبين الذين صوتوا له وحدهم، ولا يؤثر بلدته او منطقته دون غيرهما بجهده، فالاردن - بحدوده، ثم بانتمائه العربي وترابطه الاسلامي ومصالحه الدولية - هو منطقته، والاردنيون جميعا - على تباعد مناطقهم - هم ناخبوه.

وليس من شك في ان المجلس النيابي الحالــي يمثل مرحلــة جديدة في حياتنا، بعد ان توقفت الانتخابات العامة النيابية زمنا يزيد على العشرين عاما بسبب وقوع الضفة الغربية تحت نير الاحتلال الاسرائيلي. وتعلمون تماما كيف تدبرنا أمورنا من أجل توفير أكبر قدر ممكن من الشورى والمشاركة خلال هذه الفترة، وقد كنت شرحتها تفصيلا في كلمتي الموجهة للشعب عشية بداية الحملة الانتخابية. وحين اتخذنا قرار فك العلاقة القانونية والاداريـة مع الضفـة الغربيـة في 31 تموز 1988 نتيجــة تطورات وتغيرات كثيرة، تدركونها جميعا لأننا عشناها معا، زال العائق الذي كان يحول دون اجراء انتخابات نيابية عامة، لذلك عدل قانون الانتخاب ليناسب الوضع الجديد. وتبينا الاسلوب المتبع في كثير من دول العالم التي تحرص على توفير فرصة حق التمثيل النيابي لشرائح المجتمع كافة، عملا بمبدأ تحقيق الوحدة الوطنية من خلال التعددية. وهكذا جرت الانتخابات التي أتت بهذا المجلس، وهي انتخابات تميزت بجو من الانفراج والحرية، فاصبحت مضرب المثل، كما تميزت بالممارسة الحرة لكل ناخب في اختيار نوابه بحيث يتحمل المسؤولية الكاملة لاختياره.

ان بلدنا الذي واجه على الدوام الأخطار فانتصر عليها، والتحديات الكبيرة فتمكن من اجتيازها، قدم الآن دليلا آخر على ما تستطيع الارادة الحرة أن تفعله، وعلى ما في وسع الثقة بالنفس ان تحققه، وكنا قد أصدرنا قرارنا باستئنافنا لمسيرة الديموقراطية فجاء جهدالحكومة المبارك المحمود في تنفيذ هذا القرار، واء في ظل وعي شعبنا بأهمية هذا الحدث التاريخي، تضيف مجتمعة الى كتابنا صفحة جديدة من ثقتنا بأنفسنا وبمستقبلنا على هذا الجزء الغالي من وننا العربي الكبير. لقد توهم الأعداء والطامعون ان بلدنا على وشك الدخول في نفق مظلم، يمكن ان يفضي الى تفسخ الأردن وانهياره بشكل يمهد لتجسيد شعار الأردن هو الحل بدلا من الاعتراف، بأن الحل الوحيد للقضية الفلسطينية، انما يمكن في، الاعتراف بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني على ترابه الوطني. وجاء قرارنا باستئناف مسيرتنا الديموقراطية تعبيرا عمليا عما كان ولم يزل يميزنا من قدرة على مواجهة التحديات ومن عزم على رد كل الاخطار، وقبل ان يخرج هؤلاء الطامعون والأعداء من ذهولهم وجدوا أنفسهم أمام ذهول أكبر وهم يتابعون الاجراءات والظروف والأجواء التي نجحت الحكومة في اتخاذها وتهيئتها لاتمام العملية الانتخابية بكل ما تتطلبه من الحيدة والنزاهة.

لقد وعدنا وأوفينا، وحملت الحكومة الأمانة فكانت على مستوى نبل هذه الأمانة وعلى مستوى حملها، وقام الناخبون بما استطاعوا قدر طاقتهم ووفق ما أوصلهم اليه اجتهادهم، وبقي ان نأمل في ان يقوم النواب المحترمون بما ننتظره جميعنا منهم، وما تفرضه عليهم المصلحة العامة من معالجة قضايانا الأساسية، بروح التجرد والموضوعية، وبالنظرة الواقعية، وبالمواقف المتزنة.

حضــرات الأعيــان، حضــرات النـــواب،

بتوفيق من الله، وبفضل ما حبانا اياه من نعمة الاستقرار والأمن واخلاص شعبنا وحيويته ومبادرته، استطاع بلدنا أن يحقق كثيرا من الانجازات والمكاسب التي تحتاج الى حرص دائم ويقظة مستمرة لحمايتها وتنميتها. ولا يتأتى ذلك الا بالدفاع عن أرضنا وعن مقومات وجودنا من أي عدوان خارجي متربص بنا، وبتوفير أسباب الأمن والطمأنينة للمواطنين في الداخل، وضمان تماسك جبهتنا الداخلية وسلامتها. ومن أجل ذلك، واصلت حكومتي توجيه عناية خاصة للقوات المسلحة الأردنية، لتوفر لها ما هي جديرة به من دعم ورعاية وتدريب، وسعت بكل جهدها لتزويدها - بما استطاعت من حاجتها الى الأسلحة والمعدات المتطورة، لكي تقوم بواجبها المقدس على أطول خط من خطوط المواجهــة، تدرأ عن بلدنــا، وعن أمتنا العربيــة من ورائنا، مخاطر أعتى غزوة استيطانية تعرض لها وطننا. ومن أحق بالقيام بذلك من قواتنا التي اطلق عليها مؤسس المملكة اسم ‏" الجيش العربي " ليكون في اسمها ما يدل على رسالتها القومية الجليلة التي لا تقتصر على قطر دون قطر.

وكذلك لم تأل الحكومة جهدا في دعم أجهزة الأمن المختلفة لتنهض بمسؤولياتها الجسام في توفير الاستقرار وتحقيق سيادة القانون والنظام وتطمين المواطنين على سلامتهم وحماية أرواحههم وممتلكاتهم. ونحن ندرك أننا لا نستطيع ان نمضي قدما في مسيرة تقدمنا وازدهار بلدنا اذا لم نضمن له الأمن الوطني بشقيه : الداخلي والخارجي.

ولم تجد حكومتي تباينا في الموقف بين حماية الأمن الوطني وبين أن تولي قضية الحريات العامة اقصصى ما تستطيع من عناية ورعاية، ايمانا منها بمباديء حقوق الانسان، وتأكيدا لاقتناعها بما يهيئه جو الحرية من انطلاق قدرات الابداع عند الافراد، وطاقات العمل والانجاز لدى الجماعة. وهكذا تتضافر معا : حقوق الانسان.. والحريات العامة.. وحماية الأمن الوطني في منظومة متكاملة، لبناء الوطن المنيع المتماسك، وتكوين شخصية المواطن الحر المسؤول. فانفسح المجال أمام الرأي والكلمة.. أمام التفكير والتعبير.. ليثبتا وجودهمــا السليم علنا في حياتنــا، دون تـردد ولا وجل : في الصحافة والاعلام وفي المجالس الخاصة، وفي اللقاءات العامة. ورسخ هذا النهج ما عمدت اليه حكومتي أيضا من التواصل مع الهيئات الأهلية والشعبية، وفتح قنوات الحوار معها، فشاع جو من الثقة والطمأنينة بين المواطن والمسؤول، وانفسحت آفاق الأمل في مستقبل زاهر لبلدنا. وقد سبقت هذه الأجواء الانتخابات النيابية ومهدت لها، ثم واكبتها، لتجيء تلك الانتخابات في ذاتها معززة لهذا النهج مؤكدة سلامته.

حضـرات الأعيان، حضـرات النواب ،

مسؤوليتنا نحو بيت المقدس والمسجد الأقصى والقضية الفلسطينية، مسؤولية عميقة الجذور، مستمرة لا يقطعها قرار سياسي بفك العلاقة القانونية والادارية مع الضفة الغربية. وتنبثق هذه المسؤولية من صلب رسالة عربية اسلامية حملها الهاشميون على مدى تاريخهم الطويل، وعلينا أن نواصل حملها وفاء للأمانة، وتأدية للواجب المقدس ولذلك واصلت حكومتي الانفاق على المحاكم الشرعية في الضفة الغربية المحتلة وأوقاف القدس والمسجد الأقصى والمسجد الابراهيمي، وما يتبعها من مدارس وكليات. كما واصلت حكومتي وفاءها بتعهدها بدعم أسر شهداء الانتفاضــة الى المسؤوليــة التي تتحملها من خلال اللجنـــة الأردنيــة الفلسطينية المشتركـة لدعم الصمود. وكذلك تواصل الحكومـــة اعمار المسجد الأقصى المبارك والصخرة المشرفة والمنشآت الموجودة في الحرم الشريف.

حضـرات الاعيان، حضـرات النـواب،

لقد حرصت حكومتي دائما على تمسكها باستقلال القضاء وحرمته، كما قدمت التسهيلات اللازمة لافتتاح المعهد القضائي الأردني ليسهم في تحسين أداء هذا الجهاز ورفع مقدرة العاملين فيه، وسوف تنتهز الحكومة أقرب فرصة لتقدم الى مجلسكم الكريم تصورا كاملا يعزز حق المواطن في العيش في ظل سيادة القانون بما يترتب على ذلك من اعلاء لشأن القضاء، كما أنها ستعيد النظر في التشريعات التي اصبحت عائقا في سبيل تقدم المجتمع. كما ستعمل حكومتي على تركيز الجهد لكي توفر للمحاكم على اختلاف درجاتها كل اسباب الدعم لتقوم بواجبها كاملا بكفاية وسرعة فتتقلص الحاجة تدريجيا الى اللجوء الى المحاكم الاستثنائية والخاصة.

لقد كانت عناية حكومتي بالتعليم والثقافة والشباب والصحة عناية واضحة، فواصلت الحكومة تنفيذ خطة التطوير التربوي الذي جعل مدة التعليم الأساسي الالزامي المجاني عشر سنوات، تزود التلميذ بقدر صالح من المهارات والمعارف تعينه - في نهاية السنة العاشرة - على مواجهة الحياة بعد الحصول على قسط من التدريب في المؤسسات المتخصصة، كما تعينه على مواصلة دراسته الثانوية اذا استوفى شروطها. وقد أصبحت مدة هذه الدراسة سنتين، تم تنظيمها وترتيب خططهما بحيث تساوت فيهما النظرة الى التعليم المهني أبواب الالتحاق بالتعليم العالي المناظر له في التخصص.

ما بذلت حكومتي جهودا متواصلة لرفع مستوى المعاهد وكليات المجتمع لتصبح قادرة على الوفاء بما تتتطلبه خطط التنمية ومطالب المجتمع من الفنيين، وتوسعت في اتاحة فرص التعليم الجامعي في داخل الأردن. وصدرت الموافقة على انشاء جامعة أهلية وثلاث كليات جامعية أهلية ينتظر ان يباشر بعضها التدريس في بداية العام الجامعي القادم.

قد أولت حكومتي الشباب عناية كبيرة، وحرصت - بالاضافة الى الجانب الرياضي - على التركيز على الجوانب الفكرية والثقافية في توجيه الشباب وتـأهيلهـم.

في مجال الثقافة، عنيت الحكومة بتشجيع الابداع الفكري والفني وتقديره وحمايته في مختلف الميادين الثقافية، وأقامت عددا من المهرجات والمواسم الثقافية المتخصصة، ووزعت جوائز الدولة التقديرية والتشجيعية على عدد من الأدباء والباحثين. كما أعدت قانونا خاصا لحماية الملكية الأدبية سيعرض قريبا على مجلسكم الكريم.

في المجال الصحـي، شهـد عـــام 1989 زيادة ملحوظـة في خدمات وزارة الصحة، وتحسنا نوعيا في مستواها، وتمثل ذلك في التركيز على الطب الوقائي وفروعه - بعد أن أخذت المؤسسة الطبية العلاجية تباشر أعمالها.

تقوم الحكومة حاليا باستكمال برامجها لانشاء الطرق مركزة على شبكات الطرق الزراعية والقروية لتسهيل الوصول الى مراكز الصناعة والزراعة والسياحة والنقل العام، وقد تم اصدار قانون البناء الوطني الاردني لمواكبة التطورات الحديثة في مجال الاعمار، ووضع المواصفات والمقاييس التي تراعي قواعد السلامة والصحـة العامة والأمن الصناعي والمحافظة على نظافة البيئة.

في مجال النقل والاتصالات، قامت الحكومة بتنظيم عمليات النقل البري للركاب والبضائع فوقعت اتفاقيات ثنائية وجماعية مع عدد من الدول العربية الشقيقة، واتخذت مجموعة من الاجراءات الادارية التنظيمية، مما أدى الى تسهيل انسيابية البضائع والركاب من خلال ميناء العقبة. وفي مجال الزراعة، أعادت حكومتي النظر في السياسة الزراعية لتتوافق ومتطلبات تأمين المواطن باحتياجاته الغذائية الضرورية، ولكي تفتح أبواب التصدير لمنتوجاتنا الزراعية للاسهام في رفد الاقتصاد الأردني بالعملة الصعبة لتحسين ميزان المدفوعات. وقد تم بالفعل زيادة حجم الصادرات الزراعية بنسبة 38% خلال العام الحالي بالمقارنة مع الفترة نفسها من العام الماضي. وستعمل حكومتي على الاستمرار في تخفيف الاعتماد على استيراد المنتجات الزراعية مع اتباع سياسة التوسع في انتاج المحاصيل التي يمكن زراعتها محليا لتحل محل السلع المستوردة. كما ستعمل الحكومة على تشجيع التوسع في زراعة المحاصيل التي يتمتع الأردن بميزة نسبية في انتاجها سواء أكان ذلك للاستهلاك المحلي أم للتصدير.

حضـرات الأعيان، حضــرات النـواب،

قد بدأنا في مطلع هذا العام في الاستغلال التجاري لحقل الغاز في الريشة وذلك باستخدامه لتشغيل مولدات كهربائية تزود الشبكة الكهربائية الوطنية، بكميات جيدة من الانتاج. وقد تم بحمد الله - خلال شهر تشرين الأول الماضي - اكتشاف بئر جديدة كبيرة منتجة في المنطقة نفسها مما عزز آمالنا في وجود كميات وفيرة من الغاز في شرقي المملكة. ولقد بدأت الحكومة فورا في الترتيب لاستغلال هذا الاكتشاف الجديد وتطويره عن طريق مضاعفة كمية الكهرباء المنتجة بواسطة الغاز والسير في دراسة الجدوى الاقتصادية لمد خط أنانيب للغاز من منطقة الريشة الى عمان.

وفي الوقت نفسه يستمر تنقيبنا عن النفط بالجهد الوطني وبواسطة شركات التنقيب العالمية التي تعمل حاليا في المملكة.

وبعد أن وصلت الشبكة الوطنية الكهربائية الآن الى جميع المناطق في المملكة حيث يتمتع حاليا أكثر من 97% من المواطنين باستخدام الكهرباء، سرنا في خطوات عملية واسعة للتعاون مع اخواننا في مجلس التعاون العربي في مجال ربط شبكة الطاقة الكهربائية بين الاردن ومصر والعراق.

وفي مجال المياه والري، تابعت حكومتي ايلاء هذا الموضوع عناية خاصة نظرا لأهمية انتهاج سياسة مائية تكفل الاستخدام الراشد لمواردنـا المائية من جهة، والسعي الحثيث لايجاد مصادر جديدة للمياه من جهــة أخرى. وانه لمن دواعي السرور ان نشير الى ان شبكات المياه العامــة قد وصلت الى نحو 97% من سكان المملكــة كما يتم حاليا تزويــد السكان الذين يقيمون في المناطق النائية بالمياه عن طريق حفر الآبار وتشغيلها بالطاقة الشمسية أو طاقة الرياح.

وكذلك تم اعداد التصاميم النهائية لانشاء عدد من السدود في بعض أنحاء المملكة،‏أما فيما يتعلق بسد الوحدة فقد انتهى العمل في انشاء نفق التحويل وتم اعداد التصاميم الأولية والدراسات الاقتصادية للمشروع وتتولى الحكومة الآن بالتنسيق مع الشقيقة الجمهورية العربية السورية متابعة البحث لتنفيذ هذا المشروع الحيوي الذي وصل الى مراحل التأهيل والتمويل.

وفي مجال الصناعة والتجارة، قامت حكومتي بتوفير أسباب الدعم للشركات الصناعية الرئيسية، واتخذت عدة اجراءات أدت الى الاستقرار والتطور للصناعات التصديرية الكبيرة وفي طليعتها : الفوسفات والأسمدة والبوتاس، وأصبحت هذه الشركات ذات مكانة عالمية ورافدا من روافد العملة الأجنبية للبلاد، وتبلغ قيمة العملة الأجنبية التي ستدخلها هذه الشركات الى البلاد نحو ستمئة مليون دولار خلال عام 1989.

كذلك، قامت حكومتي بتقديم جميع التسهيلات الممكنة في سبيل توفيرمناخ استثماري في ميدان الصناعة وقد أسهم ذلك في اتاحة الفرصة لتسجيل أكثر من (1300) شركة في هذا العام. بالاضافة الى تزايد عدد المكاتب الاقليمية للشركات الاجنبية التي اتخذت من المملكة مقرا لها. وقد ساهم قيام هذا العدد من الشركات والمؤسسات التجارية والصناعية في تشغيل عدد كبير من المواطنين.

وانتهت حكومتي من اعداد مشروع جديد لقانون الوكلاء والوسطاء التجاريين يضع الضوابط على هذا القطاع الهام ويحدد المسؤولية ويحمي المواطنين. وسوف يقدم هذا المشروع الى مجلسكم الموقر في دورته الحالية لمناقشته واقراره. وستعمل حكومتي على وضع قانون للصناعة وتعديل قانون العلامات التجارية والامتيازات والاختراعات والأسماء التجارية، لتتمشى هذه القوانين مع متطلبات العصر. كما ستعمل على توفير أسباب الدعم وسبل التطوير للجهاز الخاص بالمواصفات والمقاييس من أجل توفير الحماية الصحية والاقتصادية للمستهلك، ولضمان الجودة للصناعات الوطنية.

وفي مجال التموين، قامت حكومتي بالعمل على الاستمرار في توفير المواد الغذائية على تعددها وتنوعها. كما نجحت في السيطرة على أسعار الكثير من المواد الغذائية الرئيسية بالرغم من التقلبات المختلفة التي تعرض لها الاقتصاد الوطني هذا العام.

وقد تمكنت الاجهزة الحكومية من كبح جماح الاستغلال غير المشروع خلال الأزمة، وتطويق آثار التلاعب في جودة المواد. وستستمر الحكومة في بذل أقصى الجهد لكي تطمئن كل أسرة الى مقدرتها على مواجهة أعباء المرحلة الاقتصادية الجديدة. وستعمل حكومتي على اشراك قطاعات المواطنين المختلفة في التأثير على القرارات التي تمسها في هذا المجال، وذلك من خلال تشجيع انشاء جمعيات حماية المستهلك ومنحها الصفة القانونية بصورة يتمكن معها كل مواطن من المشاركة في حماية أسرته ومجتمعه.

حضـرات الأعيان، حضـرات النـواب ،

لقد شهد الأردن طوال العقود الثلاثة الماضية نهضة شاملة في سائر الميادين، كما تأثرت الحياة فيه بما تحقق للمنطقة بأسرها من زيادة في الموارد ويسر في الامكانات. وقد توالت عليه خطط التنمية بكل ما نتج عنها من ايجابيات وآفاق جديدة واعدة ومن سلبيات لا بد من تطويقها وازالتها.

وقد ساعدت عمليات التنمية هذه في انشاء صناعات متعددة وفي اقامة بنية رئيسية متطورة، وفي التوسع في نشر الخدمات المختلفة، غير أنها في الوقت نفسه أحدثت بعض الاختلالات الاقتصاديــة كما شكلت أعبـاء اجتماعيـة متسعة.

ولقد امتحنننا الله فـي الأشهر الماضيــة وجابهنا أزمــة تصدت لهــا حكومتي - بعونه تعالى - بانتهاج افضل السبل للتغلب عليها والخروج منها. ومن هذا المنطلق اتخذت الحكومة اجراءات لتحقيق التوازن الاقتصادي والاجتماعي من خلال التحكم في العجز المالي وتخفيض مستواه من نحو (24%) من مجمل الانتاج المحلي الى نحو (20%) خلال عام 1989 ومن المأمول ان ينخفض هذا العجز ليصبح (16,5%) من اجمالي الانتاج المحلي لعام 1990.

كما تعمل الحكومة جاهدة على تخفيض نسبة العجز في الحساب الجاري في ميزان المدفوعات من (6%) من الناتج الاجمالـي لعام 1989 الى وضـع متوازن عــام 1993 .

وقد كان من اوائل ثمار هذه السياسة تحسن وضع التجارة الخارجية خلال الاشهر التسعة الأولى من هذا العام، اذ ارتفعت الصادرات الوطنية في حين انخفضت المستوردات. وقد غطت الصادرات ما يقارب خمسين بالمئة من المستوردات مقابل ما نسبته (37%) للعام الماضي. كما شهد قطاع السياحة تحسنا كبيرا خلال النصف الثاني من هذا العام.

ولقد قامت الحكومة بمعالجة عبءالمديونية الخارجية بشعور من المسؤولية وبمستوى من الكفاية ضمن المعطيات والامكانات المتاحة. فبادرت الى نشر أرقام هذه المديونية بدقة، وانطلقت للتحاور مع الدول والبنوك الدائنة للخروج بالشروط الممكنة التي من شأنها اعادة جدولة هذه الديون بشروط معقولة.

وقد استطاعت حكومتي اعادة جدولة جزء كبير من الاقساط والفوائد المستحقة خلال عامي 1989 - 1990 ضمن منظور عام لمجمل التعامل مع المديونية العامة. وقد أدى هذا الاجراء الى تخفيض عبء خدمة الدين الخارجي وتمكين الاردن من توفير التمويل اللازم لتغطية احتياجاته من السلع والخدمات الاساسية. ونكون بذلك قد قطعنا مرحلة اساسية شاقة في مسيرة معالجة واقعنا الاقتصادي.

وسوف تستمر حكومتي في بذل اقصى الجهد لبناء قواعد ملائمة لمجابهة الدين الخارجي بحيث لا يتجاوز هذا الدين حدودا يعجز اقتصادنا عن خدمتها.

وسعيا لاستكمال تصويب الأوضاع المالية والنقدية، قامت حكومتي بدعم البنك المركزي، مؤكدة حرصها على استقلالية قراره وحرية تحركه في اطار القانون.

وانطلاقا من هذا، اتخذ البنك المركزي العديد من السياسات الهادفــة الـى التغلب علـى أزمــة سعر صرف الدينار، التي كانت من أكبـر التحديات لبلدنا خلال الاشهر القليلة الماضية. وبحمد الله نجحت هــذه السياسات في ايقاف الانخفاض المتسارع لسعر الصرف، وتعدت ذلك الــى رفع موقف الدينار وتعزيزه مقابل العملات الاجنبية.

وقد أكرمنا الله بأن كتب لجهودنا التوفيق في قطع شوط ملموس في اعادة بناء احتياطي المملكة من العملات الأجنبية. ولا بد من الاعراب عن الشكر والتقدير للأشقاء في المملكة العربية السعودية، ودولة الكويت، والجمهورية العراقية، ودولة الامارات العربية المتحدة، وسلطنة عمان، ودولة قطر، وامارة دبي، لما قاموا به جميعا من جهود مباركة مشكورة لدعم الأردن اثنــاء الأزمــة، ممـا أسهـم اسهامــا كبيرا في تصويب الأوضـاع وتطويـق الخلل.

وسوف تستمر حكومتي في القيام بجميع الاجراءات لمتابعة الجهد لبناء احتياطي المملكة من العملات الأجنبية وتنميتها، سواء عن طريق ترشيد استخداماتها في مجال المستوردات من السلع والخدمات او من خلال تشجيع القطاع التصديري وتقديم التسهيلات اللازمة له، واستقطاب تحويلات العاملين بالخارج.

وقد تم اتخاذ الخطوات المناسبة للمباشرة في اعادة تنظيم الجهاز المصرفي وتحسين أدائه، لما في ذلك من أهمية للحفاظ على الاستقرار النقدي في المملكة ويستمر البنك المركزي في تطويــر اساليب الاشراف والرقابــة لضمان سلامــة العمـل المصرفـي وقيامـــه بالدور الموكول اليه.

وفي مجال تحقيق الأمن الاجتماعي، قامت حكومتي باتخاذ مجموعة اجراءات لمحاربة ظاهرة البطالة ومحاولة التصدي لجيوب الفقر في المجتمع. فافتتحت مكاتب للتشغيل والاستخدام لمساعدة الباحثين عن عمل وايجاد الفرص المناسبة لهم بالاضافة الى توجيههم للحصول على برامج التدريب المناسبة في حالة حاجتهم الى مثل هذا التدريب. ولما كان في طليعة الاجراءات الكفيلة بمحاربة الفقر والبطالة ايجاد اطار مؤسسي يتم من خلاله تشجيع الباحثين عن العمل على انشاء مشاريع انتاجية، فقد أقرت الحكومة انشاء صندوق للتنمية والتشغيل من أهدافه : تقديم النصح والخبرة للمواطن الباحث عن عمل، وتقديم التمويل المناسب له بشروط ميسرة لانشاء مشروعات انتاجية وصناعات صغيرة. وستستمر وزارة التنمية الاجتماعية في تقديم الدعم المباشر للمواطنين ممن يثبت عدم قدرتهم على الانتاج بسبب العجز او الشيخوخة أو المرض أو الظروف الاجتماعية القاهرة. ولا بد أن نتذكر أهمية وعي المواطن علــى معادلــة الموارد والسكان ذات الصلــة الوثيقــة بمسألــة الفقــر والبطالــة.

وقد أولت حكومتي اهتماما خاصا لقضية من أكثر القضايا التي تؤثر في الضمير الاجتماعي، وتبرز وعي المجتمع وقدرته على تحمل أعباء التكافل والتضامن الاجتماعي، فأصدرت قانون رعاية المعوقين الذي يستهدف حماية هذه المجموعة من مواطنينا ومساعدتهم على ايجاد فرص عمل وفتح المجال أمامهم للعطاء والانتاج، وتوفير الرعاية الصحية لهم.

ولقد قامت حكومتي بايلاء الادارة العامة عنايتها لاقتناعها بأن جميع المشاريع والخطط التنموية في الحقول المختلفة لن يكتب لها النجاح اذا لم يواكبها تطوير رئيسي في الحقل الاداري. فعمدت الحكومة الى اعداد مشروع متكامل للتطوير الاداري سيجري تنفيذه خلال السنوات الثلاث القادمة - بأذن الله - وقد وفرت الحكومة لهذا المشروع اسـباب النجاح سواء من حيث ادارته أو من حيث اتساع مجالات الرؤية وآفاقها أمام العاملين فيه. ومن المتوقع أن يقوم هذا البرنامج بالتركيز على تبسيط الاجراءات الحكومية التي يعاني منها المواطن، كما سيقوم بدراسة اعادة هيكلة الأجهزة الحكومية لتصبح أكثر كفاية ومقدرة على مواجهة متطلبات التغيرات السريعة التي تتعرض لها المجتمعات المعاصرة، وسيعنى أيضا ببحث أفضل السبل لتأهيل الموظف العام وتدريبه، ليصبح أكثر قدرة وحرصا على خدمة المواطن، وانجاز الأعمال، وصيانة المال العام.

وقد قدمت الحكومة الدلائل على انها لن تتسامح ازاء ممارسة اي وجه من وجوه الفساد المالي، أو التسيب الاداري، وهي جادة في دراسـة سبل مكافحة الجريمة الاقتصادية، وقد تم تأليف لجنة خاصـة لدراسـة الجوانب المختلفـة لهذه الجريمة الاقتصاديــة تمهيدا لتقديم التشريع المناسب لمعالجــة هذه الآفــة الخطيرة التي لا بـد من بترهـا من مجتمعنا.

كما ستعمل الحكومة على تقديم تشريع خاص لانشاء جهاز للرقابة والتفتيش الاداري يتولى مهمة رديفة ومكملة لأجهزة الرقابة المالية التي ستعمد الحكومة الى تطويرها وتوسيع صلاحياتها. وهكذا تكتمل حلقات الرقابة المالية والادارية.

وفي مجال البيئة، بدأت حكومتي في معالجة القضايا التي تتصل بشؤونها بحرص وعناية نظرا لارتباط سلامة البيئة بسلامة الانسان ومستقبله، الا اننا لا نزال في بداية الطريق، ومن هذا المنطلق، فان حكومتي ستقوم بانشاء جهاز مستقل لمتابعة شؤون البيئة بحيث يتم التخطيط السليم والتنفيذ السريع للاجراءات التي تقتضيها ظروف حمايتها وسلامتها. كما ستقوم الحكومة بتقديم التشريعات المناسبة واعداد البرامج الخاصة للاسهام في توسيع اطار هذه الحماية والوعي على أهميتها، كي يشارك المواطنون جميعا في رعاية بيئتنا الوطنية والكوكب الذي نشاطر الأمم الأخرى العيش عليه.

حضـرات الأعيان ، حضـرات النـواب ،

لقد استمرت الحكومة في رسم السياسة الخارجية وممارستها، انطلاقا من المباديء الثابتة التي حكمت تحركنا في محيطنا القومي وفي عالمنا الأرحب، بهدف تأمين مصالحنا الوطنيـة وحمايتها، والعمل على خدمة قضايانا العربية في الوقت نفســه.

فعلى صعيد القضية الفلسطينية، بدأت مرحلة جديدة - نتيجة للانتفاضة الشعبيـة المباركــة - تمكن الشعب الفلسطيني خلالها من فرض نفسـه وقضيتـه العادلــة بصورة أكسبتــه اهتماما دوليا لـم يسبق لــه مثيل خلال العقود الأربعــة الماضيــة.

وجاء قرارنا بفك العلاقة القانونيـة والاداريـة مع الضفــة الغربيـة المحتلــة ليرفد هذه الانتفاضــة بدعم سياسي متدفق، وليعيد القضيــة الى أصولها : قضيـة شعب مستعمر يطمح الـى تحقيق استقلالــه الوطني فوق تراب آبائـــه واجـداده.

وقد أدى هذا القرار الاستراتيجي - الذي اتخذناه استجابة لمطلب القيادة الفلسطينية والشعب الفلسطيني، وانسجاما مع الرغبة العربية العامة في ابراز الشخصية الوطنية الفلسطينية - الى انهاء المحاولات المتواصلة لتجنب التعامل مع جوهر الصراع في المنطقة. كما أدى الى فتح آفاق جديدة أمام تحقيق تسوية سلمية مشرفة. وتبعه انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر، الذي نقل العمل السياسي الفلسطيني الى مرحلة متقدمة عبرت عنها قرارات سياسية شجاعة، منها: اعلان قيام دولة فلسطين المستقلة على التراب الفلسطيني، وما تلاه من شرح وتوضيح للموقف الفلسطيني، وما تلاه من شرح وتوضيح للموقف الفلسطيني، على لسان الأخ الرئيس ياسر عرفات، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، مما أدى الى تحقيق مكتسبات هامة على الصعيد الدولي.

ولم يغير قرارنا هذا من طبيعة التزامنا بدعم الحقوق الوطنية الفلسطينيـة ومساندتهـا. بل استمر الأردن في الوقوف الــى جانب شقيقـــه التوأم، الشعب العربي الفلسطيني في نضاله العادل. ولم نتوان لحظة عن تأييد ما تتخذه منظمة التحرير الفلسطينية، بوصفها الممثل الشرعي الوحيد له، من قرارات، وما تقوم به من خطوات، لتأمين مشاركتها الكاملة في صنع السلام لاحقاق تلك الحقوق. فكان أن كثفنا من اتصالاتنا الدولية لتأمين التفهم والمساندة للموقف الفلسطيني الجديد، من خلال بناء اجماع دولي على عقد مؤتمر دولي للسلام، وفق الأسس المعروفة، وانطلاقا من الموقف العربي الواحد الذي تبلور في قمة الوفاق والاتفاق التي التأمت في عمان عام 1987 وعبر عن نفسه في قمة الدار البيضاء عام 1989.

ولقد بات من الواضح للعالم أجمع، أن القيادة الفلسطينية قد قدمت، بالتزام صادق مــا عليها لتسهيل تحقيق التقـدم فـي عمليــة السلام، وأن اسرائيل هي الطرف الذي ما زال يتمادى في وضع العراقيل. واننا لعلى ثقة مـــن أن الموقف الفلسطيني الشجاع المسؤول، مدعوما بموقف عربي ثابت متماسك، سيستمر في كشف الموقف الاسرائيلي بصورة ستضع المجتمع الدولي برمته في مواجهة اسرائيل.

وبقدر ما كانت قمة الوفاق والاتفاق معقد أمل في العمل العربي المشترك، فانها ايضا أبرزت موقفا عربيا واحدا في دعم العراق الشقيق ومساندته في دفاعه عن نفسه، وعن أمته، في وجه حرب ظالمة فرضت عليه. وقد كان للموقف العربي ولصمود العراق البطولي وانجازاته الباهرة في الميدان. الأثر الأكبر في اقناع ايران بقبول قرار مجلس الأمن 598 بعد عام من اتخاذه، على الرغم من أن العراق كان قد أعلن قبوله له واستعداده لتنفيذه فور صدوره، من موقع الاقتدار والشعور بالثقة.

والآن - بعد مرور أكثر من عام على توقف الحرب بين العراق وايران - ما زالت الجهود الدولية تبذل لتطوير اتفاقية وقف اطلاق النار الى سلام عادل دائم بين القطرين الجارين المسلمين وعدم تحويلها الى حالة من اللاحرب واللاسلم تحمل مخاطر بالغة على أمن المنطقة بأكملها واستقرارها. وفي الفترة الأخيرة جددت الأمم المتحدة جهودها المشكورة من خلال أمينها العام لتقريب وجهات النظر بين العراق وايران، الأمر الذي يمنحنا الامل فــــي ان توفق هذه الجهود لتستأنف مفاوضات السلام بصورة مباشرة بين الجانبين، وحسبما نصت عليه اتفاقية وقف اطلاق النار وصولا لتنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي. ولا تفوتنا بهذه المناسبة مناشدة القيادة الايرانية أن تتجاوب مع الحاجة الانسانية لتبادل الأسرى واعادتهم الى ذويهم التزاما بالشريعة السمحة، واحتراما للمواثيق الدولية.

وخلال الفترة الماضية كذلك، لم نأل جهدا في ابراز الموقف العراقي البناء المسؤول، وفي حشد التأييد له من على المنابر الدولية، ومن خلال اتصالاتنا الثنائيــة مع قيادات مختلف دول العالم، خاصــة الكبرى منها، وسنستمر في الوقوف مع عراق الأخوة والوفاء للتوصل الى سلام عادل مشرف بين الجارتين المسلمتين يضع حدا للتدخل في الشؤون الداخلية ويسوي المشكلات القائمة بين البلدين ويعيد علاقات الجوار الطبيعية بينهما، ويضمن أمن دول الخليج العربي وسلامتها، ويرسي دعائم الاستقرار في المنطقة بأسرها.

أما الأزمــة اللبنانيــة، فقد أوليناهــا اهتمامنا الكبير وجهدنـا البالغ، نظرا لما وصلت اليه الحالــة في هــذا القطر العربي الشقيق، من تدهور حمل معه بوادر حقيقية لتقسيمـه مما هدد النظام العربي برمته، وعرض المنطقة لخطر البلقنة والتفتيت.

ومن هذا المنطلق، أيدنا تشكيل اللجنة الثلاثية العربية العليا التي ألفتها قمــة الدار البيضاء لتتولــى العمل على تحقيق الوفاق اللبناني، وعبرنا في كل مناسبة عن تشجيعنا ودعمنا للجهود الخيرة التي بذلها اشقاؤنا الأعضاء لانجاز المهمة المأمولة منها.

ان أملنا لكبير فـي ان يشـكل الاتفاق الـــذي توصل اليه البرلمانيون اللبنانيون في كنف المملكة العربية السعودية الشقيقة، وبرعاية اللجنة الثلاثية العربيــة، المنطلق لاستعادة الشعب اللبناني لوحدتــه الوطنيـة وسيادتــه الكاملة على أرضه، تمهيدا لاعادة بناء لبنان الشقيق وتعميره، متطلعين الــى التزام الاطراف اللبنانيـة كافة بما تم الاتفاق عليه وصولا الى الغاية المنشودة.

وانني أغتنم هذه المناسبة لأتوجه بأعمق مشاعر التقدير لخادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز وحكومة المملكة العربية السعودية على نجاح جهودهم المخلصة بالتعاون مع جلالة الملك الحسن الثاني وفخامة الرئيس الشاذلي بن جديد في احراز ما تم تحقيقه من نتائج ايجابية هامة.

وفي الوقت الذي نعبر فيه عن بالغ ألمنا للحادث الاجرامي الذي أودى بحياة الرئيس رينيه معوض، فان مما يبعث على التفاؤل أن الاخوة اللبنانيين قد استطاعوا تجاوز النكسة بانتخاب الرئيس الياس الهراوي، متمنين لفخامته التوفيق في حمل المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقه، وواثقين بأن انتخابه يمثل خطوة واسعة على طريق تنفيذ اتفاق الطائف.

وانسجاما مع الثوابت التي يقوم عليها الأردن، ووفاء للأهداف العليا التي يتمسك بها، وتجسيدا لمباديء الثورة العربية الكبرى التي يحمل الأردن لواءها، فقد كنا نبادر دائما، الى بذل كل جهد مخلص في سبيل جمع صفوف أمتنا وتوحيد كلمتها، وكان من ثمارها هذا الموقف وتلك المبادرات أن تم بعون الله وتوفيق منه تأسيس مجلس التعاون العربي ليضمنا مع اشقائنا في الجمهورية العربية اليمنية والجمهورية العراقية وجمهورية مصر العربية في اطار يستند الى صيغة متقدمة من صيغ العمل القومي، تهدف الى الارتقاء بذلك العمل الى ما يفيد شعوبنا، ويجنبنا عثرات الماضي، ويقدم لأمتنا نموذجا ناجحا للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، في زمن أخذت فيه التجمعات الاقتصادية في تأدية دور مهم حيوي على الساحة الدولية. وهذا المجلس هو من أمتنا ولها. وكلنا أمل في انه سيسهم - مع مثيليه مجلس التعاون لدول الخليج العربي واتحاد المغرب العربي - في رفد الجهد العربي المشترك بما يعزز مكانة أمتنا، ويعلي شأنها، وبما يصب في بوتقة التعاون العربي الأشمل في اطار جامعة الدول العربية ومؤسسات اعمل العربي الممشترك كافة.

أما على الصعيد الثنائي، فقد استمرت الحكومة في العمل على تطوير علاقات الأردن في مختلف المجالات مع اشقائه جميعا، وتنشيط لجان مشتركة على مستويات متعددة بين الاردن وعدد من الدول العربية بهدف تقوية أسس ذلك التعاون وادامته.

وعلى الصعيد الدولي، عملت الحكومة على تمتين أواصر الصداقة مع مختلف الدول، انطلاقا من المصلحة والاحترام المتبادلين، وبما ينسجم مع المصداقية الدولية المرموقة التي تمكنا من بنائها على مر السنين، كما نشطت الدبلوماسية الأردنية في مختلف المحافل الدولية لتعطي صورة حقيقية مشرفة عن وطننا، فكان حضورنا قويا في منظمة المؤتمر الاسلامي، ومجموعة عدم الانحياز، ومنظمة الأمم المتحدة، بحيث ساهمنا مساهمة ايجابية مع اشقائنا في الدفاع عن قضايانا وتحقيق المكاسب لها.

ولــم يكن مواطننا خـارج الأردن، وفي مواقـع اغترابـــه، عاملا أو طالبا، بعيدا عن اهتمامنا، فقد استمرت الحكومــة في بناء جسور الألفـة والتواصل معه، ورسخت بادرة التقاء أولئك الاخوة في ربوع وطنهم في مؤتمر الأردنيين العاملين في الخارج، لتمتين صلتهم بأهلهم وبوطنهم، ولاتاحــة الفرص أمامهم للمساهمة في بناء بلدهم.

حضـرات الأعيان، حضـرات النـواب ،

ان موقعنا العربي والاسلامي والدولي، يعتمد أولا على موقعنا من أنفسنا في الداخل، وعلى قيمتنا الذاتية التي تتنامى بتماسك جبهتنا الداخلية، وبقدرتنا على التعبير السليم عن قيمنا وأصالتنا وعلى استنفارنا لقدراتنا وطاقاتنا الابداعية ونحن نواكب حركة التاريخ ونفي بمتطلبات التطور والتقــدم. واستكمالا للحياة النيابيــة والمسيرة الديموقراطية، فاننا سنؤلف لجنة ملكية لصياغة ميثاق وطني يرسم اطار مسيرتنا في العمل العام منبثقا عن أحكام الدستور والثوابت التي تقوم عليها المملكة الأردنية الهاشمية، ويحدد المفاهيم المركزيــة الأساسية : الوطنيـة والقوميــة، التي سستسير الدولة على هديها، وتعمل بموجبها، والتي ستقوم على أساسها وتنشط وفقها التنظيمات السياسية. ثم يطرح هذا الميثاق، فيما بعد، على الشعب في استفتاء عام، فيكون بذلك نتاجا لقرار شعبي شامل.

حضـرات الأعيان، حضـرات النـواب،

ان حقيقة وجودنا جميعا تحت قبة البرلمان في هذا اليوم المبارك، تشير - بما لا يقبل أدنى شك - الى اننا قد بدأنا - بعون الله - مرحلة جديدة في المسيرة الخيرة المتصلة، لهذا الوطن الأردني العربي الطيب، ولا ضير في أن نتذكر جميعا، وقد خطونا خطوتنا الأولى في هذا الشوط، أننا لا نتلمس طريقنا في الظلمة، ولا نتحرك في فراغ، ولا ننطلق من لا شيء... فسبيلنا بين، ولن نتعامى عنه، لأنه سبيل التنمية والتقدم والبناء. ومبادؤنا ثابتة لن نحيد عنها لأنها مبادىء الثورة العربية الكبرى التي تشكل جوهر وجودنا القومي، وظروفنا معروفة بما تنطوي عليه من محددات وتحديات، ولن تزيدنا في التعامل معها الا ثباتا وعزيمة ومضاء، وانجازاتنا كثيرة مشهودة، ولن تكون الا موضع فخر واعتزاز. ومؤسساتنا العسكرية والمدنية والأهلية راسخة متنامية، ولن نرى فيها الا صروح عز وأمن ونماء. فظهور بعض الحشائش في حديقة غناء لا يحجب أشجارها ولا يخنق أريج أزهارها. فالانجازات التي حققتها الدولة شعبا وحكومة ومؤسسات وشهد لنا بها العدو والصديق، والبعيد والقريب، هي من الرسوخ والوضوح بحيث لا يمكن محوها او طمس معالمها. ان الروح البناءة الواعية المسؤولة هي التي تمنع الخطأ وتدرأ الخطر، وان النزعة المتفائلة االمنطلقة الى المستقبل بأمل ورجاء، هي التي تحمي من التخاذل والشلل والارتكاس. وان ثقتي بكم مواطنين وممثلين لشعبنا العربي الخير، هي التي تعزز أملي في أن أعمال مجلسكم الموقر سواء في مراقبة السلطة التنفيذية، أو في التعاون والحوار المسؤول معها ستثمر جنى وفيرا طيبا - باذن الله - يعود على المملكة بالمنعة والازدهار، وعلى المواطنين، كل المواطنين، بالخير والأمن والرخاء. ان المشاركة هي ركيزة الديموقراطية، وهي ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لمعالجة قضايا الوطن ومشكلات المجتمع ورعاية مصالح الشعب الحقيقية. ويقيني اننا مجمعون على أن الوطن بحاجة الى من يزيل العثرات من أمامه للتتواصل مسيرته المباركة، وليس الى من يضيف الى العثرات ليوقف هذ المسيرة، فلنتعاون جميعا لنتعهد نبتة الحياة، ونسقيها بأيدينا. بهذه الروح، وليس بغيرها، تنجح التجربة البرلمانية التي نبتهج اليوم باستئنافها على بركة الله وبعون منه سبحانه.

نسألــه تعالــى أن ينير أبصارنـا وبصائرنـا، وأن يلهمنا السداد في الرأي، والصواب في القول، والتوفيق في العمل، هو مولانـا، فنعـم المولــى ونعـم النصير.

والسلام عليكم ورحمة اللــه وبركاتـه،,

© 2016 مجلس الاعيان الأردني. جميع الحقوق محفوظة