خطاب العرش في افتتاح الدورة العادية الأولى لمجلس الأمة الأردني العاشر
نسخة للطباعةارسل هذه الصفحة

الحســــــين بــــــن طـــــــلال

خطـــاب العـــرش

في

افتتــــاح الــــدورة العــــادية الأولى

لمجلس الأمـــة الأردني العاشــر



الموافق السادس عشر من كانون الثاني سنة 1984

بسم الله الرحمن الرحيم

حضرات الأعيان،حضرات النـواب،

باسم الله وعلى بركة منه تعالى نفتتح هذه الدورة العادية لمجلس الأمة وبالاتكال عليه جلت قدرته نواصل مسيرة الخير من أجل شعبنا الوفي ومعه وصوب غايات أمتنا الماجدة التي بانتمائنا لها نعتز أوفياء لأمجادنا وذكرى شهدائنا متمسكين بعقيدتنا وهويتنا العربية الأصول والمضمون وسائلين الله القدير أن يسدد خطانا ويعيننا على تحمل مسؤولياتنا فيما نسعى اليه من بناء لقدرات الوطن وحشد لجهود وطاقات الشعب وبما يمكننا من خلال التعاون والتعاضد مع اخوتنا في وطننا الكبير من مجابهة ما يحيق بأمتنا من أخطار التمزق والتشرذم والعدوان والتيه والضياع وبما يهيء لنا السبل لتثبيت الحق ولتحرير الارض والمقدسات من قبضة الاحتلال.

حضرات الأعيان،حضرات النـواب،

تنعقد دروتكم العادية هذه في أعقاب دورة استثنائية تحملتم فيها بكل وعي وأمانة مسؤولية وطنية فيما أجريتم من تعديلات على الدستور استهدفت تصويب واقع فرضته ظروف قاهرة وحماية جانب أساسي من حياتنا الدستورية من شلل كان يتهدده فيما لو استمر ذلك الواقع. وهذا الجانب كما تعلمون هو حياتنا النيابية الذي تجسد الديمقراطية وروح المشاركة الحقة التي آمن بها هذا البلد منذ نشأته وحرص على حمايتها حتى في أحلك الظروف وأصعبها. ففي الظروف القاهرة التي اعترضت سبيل الحياة النيابية لم نتوان عن ايجاد صيغة أخرى لمبدأ المشاركة تمثلت في المجلس الوطني الاستشاري. وعند اعتماد تلك الصيغة أكدنا انها لن تكون بديلا عن المؤسسة البرلمانية الدستورية. فالحياة النيابية هي ركن أول وأساسي في دستورنا ومعلم بارز في بنياننا السياسي.

ونحن اذ نستأنف حياتنا النيابية معا، انما نعود الى وضع طبيعي يجسد معنى المشاركة دون انقطاع نشـأ عن اعتبارات موضوعية لا سبيل لانكارها ولا مجال لاغفالها، واقع ادركه الآباء والأجداد، وانبثق عن قدسية هدف الوحدة للانسان العربي، وبلور اجماعنا على المسيرة المشتركة في بداية الخمسينات دون المساس بحق من حقوق الشعب الفلسطيني بعد تحرير أرضه.

فقد نص قرار وحدة الضفتين في نسيان 1950 على " تأكيد المحافظة على كامل الحقوق العربية في‏( فلسطين ) والدفاع عن تلك الحقوق بكل الوسائل المشروعة وبملء الحق وعدم المساس بالتسوية النهائية لقضيتها العادلة في نطاق الأماني القومية والتعاون العربي والعدالة الدولية ".

حضرات الأعيان،حضرات النـواب،

انكم تبدأون دورتكم ومنطقتنا العربية على مفترق طرق. وأحداث كبيرة تعصف بها من كل اتجاه، ونحن في الأردن بحكم موقعنا الجغرافي وانتمائنا العربي نقف في وسط تلك الأحداث، الأمر الذي يضاعف من مسؤولياتنا وواجباتنا، وبخاصة ونحن في هذه المرحلة نعمل على دعم مسيرتنا المشتركة. فعلى صعيد القضية المركزية التي تشكل همنا الاول ومحور اهتمامنا ما زالت الأرض الفلسطينية تحت الاحتلال تتعرض لاجراءات التهويد والاستيطان والضم التدريجي. وكنا وما زلنا نتصدى لتلك الاجراءات على مختلف المستويات وبكل الوسائل المتاحة واحتل الحوار والتنسيق والتعاون مع منظمة التحرير الفلسطينية ركنا بارزا في سياستنا هذه انطلاقا من ايماننا المشترك بالمصير الواحد، وبوحدة المصلحة والضرر والخطر. وستعمل حكومتي بكل العزم والاصرار على الوصول مع منظمة التحرير الشرعية الحرة الى صيغة عملية للتعاون، وبمباركة ودعم عربيين من أجل انقاذ الأرض والأهل. ولنا وطيد الأمل في أن تقابل منظمة التحرير الفلسطينية مساعينا المخلصة لبلورة الصيغة العملية التي تمكننا جميعا من أداء الواجب تجاه القدس وفلسطين وشعبها بما تستحقه هذه الغاية من صدق في العزيمة والنوايا وجدية في الجهد والعمل.

وأول ما ستتوجه اليه سياسة حكومتي هو الاسهام في بناء التضامن العربي الذي يسعى اليه المخلصون من أبناء أمتنا، واخراج العمل العربي المشترك من دائرة الشلل المصاب به، ومنحه المرونة اللازمة والقدرة على اتخاذ القرار المستند الى قرار الأكثرية عوضا عن التمسك بمبدأ اجماع الأعضاء الذي يصعب تحقيقه، لأنه يعطي الفرصة لعضو واحد في الجامعة العربية لتعطيل قرار الأكثرية، وكثير من قرارات الجامعة العربية تشهد على هذه الحقيقة سواء ما اتصل منها بالقضية الفلسطينية أو بالحرب العراقية الايرانية أو بأزمة لبنان المأساوية أو بغيرها من القضايا العربية.

وعلى صعيد الحرب العراقية / الايرانية، فستواصل حكومتي وقوفها الى جانب العراق الشقيق في دفاعه عن أرضه وحقوقه، وفي مسعاه المخلص لانهاء النزاع بالوسائل السلمية، وعلى أساس من الحق وحسن الجوار، وعدم التدخل بالشؤون الداخلية لكلا الطرفين. فاستمرار هذه الحرب يحمل في طياته مضاعفات خطيرة من شـأنها تهديد أمن منطقتنا وجرها الى التمحور الدولي وتدخل القوى العظمى، فضلا عن تهديدها للهوية العربية في المشرق العربي كله.

كما ان أزمة لبنان تستحوذ على اهتمامنا المباشر لما انطوت عليه من مآس انسانية ودمار وتشريد وخراب لم ينج منه أحد، وللواقع الذي وصلت اليه بتعقيداته المحلية والعربية والدولية نتيجة العدوان الاسرائيلي واحتلال أجزاء واسعة من أرضه، بحيث أصبح واقع لبنان اليوم يشكل نذير خطر لمنطقتنا بما يحمله من معالم التقسيم والتمزيق والتمحور، الذي لا يخدم سوى مخططات الصهيونية واعداء العرب. ومن هنا فقد عملت حكومتي وستعمل على دعم كل جهد يؤدي الى خروج القوات الاسرائيلية الغازية وجميع القوات الأجنبية المتواجدة على أرضه، وضمان وحدة شعبه وسيادته على أرضه.

حضرات الأعيان، حضرات النـواب،

ان مخططات اسرائيل في التوسع، وما يتهدد لبنان من تفكك وتمزق، وما يواجهه العراق من عنت العدوان والتعصب، لا يمكن مجابهتها جميعا الا بموقف عربي حازم وموحد، تحشد له جميع الطاقات والقوى والجهود، ولا يجوز ازاء هذا الواقع اذن أن تبقى مصر العربية خارج صـف أمتها فلا غنى لمصر عن أمتها ولا غنى لأمتها عنها.

أما على الصعيد الخارجي، فسوف تستمر حكومتي في بناء الجسور مع مختلف دول العالم وقواه، سواء على الصعيد الثنائي أو في اطار الأمم المتحدة وحركة عدم الانحياز والعالم الاسلامي. وستواصل الحوار مع مختلف التكتلات الدولية من أجل كسب تأييدها وتطوير هذا التأييد بما يخدم قضية فلسطين ويضع حدا للاحتلال وللعدوان المستمر على أرضها وشعبها. مؤكدين على أهمية التنسيق والتخطيط العربي في العمل على الساحة الدولية، ومؤمليـن أن تدار السياسـة العربية في هـذا المجال على أساس المصالح المتبادلة، وليس فقط وفق المبادىء والقيم طالما أننا نعيش في عالم لا يتحرك ويتفاعل الا في اطار واقع الاعتماد المتبادل لدوله وشعوبه.

حضرات الأعيان، حضرات النـواب،

وفي الميدان الداخلي، فان أول ما تتجه اليه جهود حكومتي بالرعاية والاهتمام، هو قواتنا المسلحة الأردنية، درع الوطن وحامية الراية، وسياج الاستقلال والكرامة، وبذل كل طاقة في سبيل اعداد جيشنا العربي المصطفوي وتأمين ما يحتاج اليه من سلاح ومعدات حديثة تضمن له مواصلة الاضطلاع بدوره الوطني والقومي ومواكبة عملية التطوير وبلوغ ما يطمح اليه من قوة ومستوى رفيع في الاستعداد والتجهيز الى جانب ما هو موروث في نشـأته العربية الأصيلة من قيم الخلق والفروسية والتضحية، وروح النظام والطاعة والاباء.

وعلى الرغـم من كافة الصعوبات المالية التي تواجهنا وتحد من طموحاتنا، فان تشكيل الجيش الشعبي يحتل مرتبة متقدمة في سلم أولوياتنا لبناء القوة والمنعة وسيبقى الهدف من تنفيذ فكرته ظهيرا لقواتنا المسلحة يفرض نفسه علينا، لأنه التعبير الحي عن استعداد كل مواطن للتضحية في حماية الوطن وصون حقوقه وكرامته.

كما ستستمر حكومتي في تنفيذ خطة التنمية الخمسية، رغم ما يواجهه الأردن من ظروف مالية صعبة نشأت عن أسباب متعددة، منها الركود الاقتصادي العالمي الذي انعكست علينا بعض آثاره، وستركز الحكومة الجهد على المضي في استثمار ثرواتنا الطبيعية وبخاصة في التنقيب عن مصادر الطاقة وتنفيذ المشاريع الانتاجية التي تضمن لبلدنا دخلا اضافيا وتوفر لابنائنا مزيدا من فرص العمل، كما ستراعي الحكومة في تنفيذها لخطة التنمية هذه تحقيق التوازن بين النمـو الاقتصادي والاجتماعي تجسيــدا لمبــدأ التكافــل والعدالة.

وفي المجال الزراعي، يحق لنا أن نفخر بأن مزارعنا الأردني خلال العقد الأخيـر قد أحـرز تقدما ملموسـا في تطوير الأسـاليب الزراعية وتحقيق مستويات عالية من الانتاج. الا ان ما يواجهه في مواسـم كثيرة من تقلبات في الأسعار يقتضي اتخاذ الاجراءات اللازمة لتنظيم عملية الانتاج والتسويق، وســتواصل الحكومــة العمـل علـى تحقيـق ذلـك فـي اطـار التنسـيق والتعاون بين جميع المعنيين بالعملية الزراعية، ولأن الانسان في معاييرنا هو أثمن ما نملك، ولأنه يمثل قيمة عليا نحرص على الحفاظ عليها، فان المواطن المدرب والمعد خير اعداد كان وسيبقى عماد ثروة بلدنا وعدته في بناء الوطن والذود عنه.‏فان حكومتي ستواصل جهدها في تطوير برامج التربية والتعليم بما يؤهلها لمواكبة التقدم العلمي وتعميق الهوية الثقافية لمجتمعنا العربي الاسلامي، وبما يتناسب ومتطلبات التنمية والحياة المتجددة ومستلزماتها من اختصاصات فنية ومهنية. كما أنها ستواصل العمل لتنظيم القوى البشرية بما يكفل التوزيع المتوازن بين مختلف الاختصاصات التي يحتاجها المجتمع في حركته الدائبة نحو البناء والتقدم.

كما ستعني بالنشاط الثقافي والرياضي الذي من شأنه أن يحفز مواهب الابداع والابتكار في أوساط شـبابنا، ويعمق الاعتزاز الوطني في نفسـهم، وستعمل على ترسيخ وتطوير روح الانضباط العام والتعاون الجماعي وتنمية حـس المواطنة.

حضرات الأعيان،حضرات النـواب،

انه لواجب علينا ونحن في مطلع استئناف مجلسكم واجباته الوطنية والقومية، أن نتوجه جميعا الى الأخوة الأهل الصامدين على تراب وطنهم في أرض الاسراء والمعراج بأطيب التحية والاعتزاز بصمودهم ومقاومتهم الاحتلال وممارساته. ونحن على يقين أنه مهما طالت معاناتهم فلا بد أن يزول الاحتلال وتتحرر الأرض ويعود الشعب العربي الفلسطيني الى أرضه، ويمارس حقه في تقرير مصيره في وطنه، وهذا هو منطق التاريخ وسنة العدل في هذا الوجود، ولن تجد لسنة الله تبديلا.

ولعل ارادة الله قد شاءت أن يعقد ممثلو الأمة من القدس والأرض التي بارك الله حولها الدورة العادية لمجلسهم في اليوم الذي يبدأ قادة الدول الاسلامية فيه أعمال مؤتمرهم الخير المنعقد في المغرب الشقيق، ليبحثوا في شؤون المسلمين وقضاياهم، وفي مقدمتها القدس وأقصاها المستصرخ الأسير.

وأنها لمناسبة طيبة أيها الأخوة، أن نتوجه من هذه البقعة التي باركها الله الى اخوتنا المجتمعين هناك ليعطوا القدس جل العناية والاهتمام ويشدوا عيونهم وقلوبهم نحوها كي يشدوا الرحال يوماُاليها، والله الموفق وعليه الاتكال سبحانه.

اننا ونحن نفتتح هذه الدورة لمجلسكم الموقر، لعلى يقين من أنكم ستحققون بما نعهده فيكم من تقدير صادق لأمانة المسؤولية لكل عمل خير مشترك وتعاون مثمر بين السلطتين التشريعية والتنفيذية وهو ما سوف تقابله أسـرتنا الأردنية الواحدة بالتجاوب وبذل المزيد من التضحية والجهد المتواصل للسير بأردننا الغالي نحو غاياتنا المرجوة من أجل عزته وتحقيق أماني أمته. والله نسأل أن يسدد خطانا على طريق الحق والرشاد.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،,

© 2016 مجلس الاعيان الأردني. جميع الحقوق محفوظة