خطاب العرش في افتتاح الدورة العادية السابعة لمجلس الأمة الأردني التاسع
نسخة للطباعةارسل هذه الصفحة

   بسم الله الرحمن الرحيم

حضرات الأعيان، حضرات النواب، 

 باسم الله جلت قدرته، نفتتح الدورة السابعة لمجلس الأمة الأردني التاسع، شاكرين لله، وهو الكريم العزيز، أن مكن لأمتنا العربية في أيام خالدة من شهر رمضان المبارك أن تتحرك انتصارا للحق والكرامة وأن تعيد بدم الشهادة الزكي وروح التضحية بعضا مــن أرج ماضيها الحافل بالعزة والكرامة، وأن تكرس مـــن جديد فوق الأرض العربية، وفي الدنيا بأسرها، مناقب الانســان العربي الــذي يستمد وجوده مــن أعماق حضارة انسانية عريقة.

حضرات الأعيان، حضرات النواب،

واني، باسم شعبنا العربي الأبي في الضفتين، وباسمكم أنتم نوابه وأعيانه، أتوجه من على منبركم هذا، الى الأهل كل الأهل في الأراضي العربية المحتلة الغالية، وفي القدس العربية الخالدة مهوى الأفئدة والقلوب لابعث اليهم تحيات المحبة والتقدير والاعجاب، يحدوها الأمل الزاهر بتحقيق الأماني وبلوغ الأهداف بزوال الاحتلال الذي استبد بهم فترة من الزمن، واقتراب اليوم الذي يمارسون فيه حقهم المطلوب في اختيار المستقبل وتقرير المصير.

حضرات الأعيان،حضرات النواب،

 وما دمنا بصدد حرب رمضان التي برزت كأهم تطور يمر على القضية العربية منذ عدوان حزيران 1967، فانه لابد لنا ونحن نعترف أن وحدة القتال والمقاتلين هي التي رسخت قومية المعركة وترجمتها واقعا ملومسا من المحيط الى الخليج، لابد لنا من التنويه بالدور الذي لعبه الأردن في تصفية الأجواء العربية والتمهيد للحشد العربي. ولقد قام جهدنا السياســـي، فـــي الميدان العربي، فـــي دائرتين متداخلتين : الواحدة في نطاق ما يمليه الواجب القومي من المشاركة والاسهام في العمل العربي المشترك في معركة الحق والحياة وفي مواجهة الخطر الاسرائيلي الزاحف الذي يتهدد كياننا العربي كله ووجودنا العربي بأسره، والثانية في اطار ما نعطيه لانفسنا من اهتمام ببنائنا الذاتي بحيث يكون مجتمعا واعيا منظما، قويا سليما، ينفع نفسه وأمته، ويستطيع أن يضطلع بمسؤولياته الوطنية والقومية والدولية. وعلى هذا كان تحركنا لدى العواصم الشقيقة قبل بضعة شهور، وحين لاحت الفرصــة، مدفوعا برغبتنا الصادقــة فــي إيضاح مواقفنا وآرائنا لاخواننا - بعد فترة مــن توقف الاتصالات - وفي استطلاع مواقفهم وآرائهم فيما يجمعنا على صعيد واحد. من هنا لقاؤنا التاريخي في القاهرة في العاشر من شهر ايلول الماضي حيث اجتمعت مع الرئيسين سيادة الرئيس محمد أنور السادات وسيادة الرئيس حافظ الأسد وتذاكرنا في ما يخدم المصلحة المشتركة والأماني القومية العليا، الأمر الذي كان من جرائه أن عادت الأمور الى سيرها الطبيعي فاستؤنفت العلاقات السايسية بين حكوماتنا الشقيقة. ثن حدثت بعد ذلك تطورات في الموقف زادت من لحمة تماسكنا فاعاد الكويت الشقيق دعمه المالي من اجل صمود هذا البلد العربي الأصيل. ورجعت العلاقات بيننا وبين تونس الشقيقة الى طبيعتها وكذلك كان الحال مع الجزائر الشقيقة. وفي هذا الجو الأخوي العربي جرى تبادل بعض الرسائل بيني وبين سيادة العقيد معمر القذافي رئيس مجلس الثورة الليبي مما نؤمل معه العودة بعلاقات بلدينا الشقيقين الى وضعهما الطبيعي المألوف.

حضرات الأعيان، حضرات النواب،

لقد كنا على يقين بأن اعضاء الهيئة الدولية والدول الكبرى بشكل خاص عن الوضع في الشرق الأوسط بالنسبة لأزمة الاحتلال الاسرائيلي والابقاء على حالة اللاسلم واللاحرب، على مدى ست سنوات او تزيد كان لابد وأن يؤدي ان عاجلا أو آجلا الى انفجار في الموقف تشتعل معه المنطقة من جديد ويمتد أثره الى الآفاق الاخرى.

وكنا على يقين بأن عناد اسرائيل وغطرستها واعتمادها علـــى منطق القوة وسيلة الى فرض ارادتها على الأمة العربية أنما هي عوامل تشحذ العزائم العربية وتدفعها الى مجابهة التحدي.

 ولكننا في هذا البلد العزيز، وفي مواجهة الاخطار والتحديات والاحتمالات والعوامل التي لم تكن من صنع يدنا، كنا نرجو أن لا يداهمنا اليوم الذي ينفجر فيه الوضع ونحن لم نحقق بعد، وكاملا، وبكل الامكانات المتوفرة مخطط بناء قوتنا وتمكين طاقاتنا الذاتية من بلوغ درجة القدرة والكفاية.

وحين وقع الصدام كان أسرع من الأيام واكبر من الامكانات التي وفرناها بكل جهد صادق، فخاضت حجافل مصر وسوريا معارك مع العدو كأشرس ما تكون المعارك وأعنف ما يكون الاشتباك، وقد أثبت فيها الجندي العربي انه سليل أمة كتبت في التاريخ أكرم جهاد في سبيل أشرف رسالة. وسجل هذا الجندي صورا رائعة للبطولة والفداء، وبرهن على انه من هذا الثرى الطاهر الطهور وانه من أمة رائعة جديرة بأسمى مراتب الحق والحرية والحياة.

واذا اشتعلت الحرب على غير موعد معنا، أو تخطيط منا، فقد كان علينا ان نتحرك معها بشكل نقوم به بواجباتنا الطبيعية. ولما لم يتوفر لنا عامل المفاجآة، واستعد العدو لمنازلتنا حيث نتحرك على طول جبهتنا الممتدة مــن مرتفعات اليرموك حتى شواطىء العقبة. ادركنا ان واجبنا الاول هو حماية ميسرة القوات السورية الباسلة ضد أي اختراق تحاول القوات الاسرائيلية أن، تقوم به من مناطقنا الشمالية.. وضعنا جزءا مهما من قواتنا المسلحة لسد تلك الثغرات وحماية الميسرة

السورية وبهذا استطعنا كذلك أن نبقى في مواجهتنا قوات اسرائيلية غير قليلة كان يمكن أن تدعم قواته المقاتلة على الجبهتين المصرية والسورية لولا تواجدنا في أقرب النقاط على خطوطنا الأمامية.

 ولما تطور الوضع العسكري على الجبهتين، قذفت اسرائيل بأوفر ما عندها الى المعركة الوية وسلاحا في الجو والبحر والبر، رأينا أن نتكيف مع المعركة فانتقلت قواتنا الى ميدان القتال على ارض سوريا الحبيبة بلواء مسنود ومدعم من خيرة قواتنا المدرعة، ومن احتياطنا الرئيسي، اتبعناه بلواء آخر ثم بقيادة فرقة، وانطلقت في ساحة الجهاد بعزائم صادقة لا تلين تبتغي النصر أو الشهادة، والذود عن الثرى الطهور وفاء لتضحيات الآباء والأجداد في الدفاع عنها والذود عن حياضها.

 وانني من مكاني هذا أقف تحية وتقديرا امام كل شهيد - ضابطا كان أو ضابط صف أو جنديا - سقط في ميدان الشرف وهو يشهر السلاح فاضاف الى جند الأردن عزة وفخارا وازدهى به موكب الأبطال. وأحيي كل جريح حمل في جسده وسام الشرف في ساحة الواجب وكل من تنادى للبأس وكل من ينتظر. كما أحيي كل من أدى واجبه وقد أدوه جميعا خير أداء.

ثم كان قرار وقف اطلاق النار في يوم الثاني والعشرين من تشرين الأول الماضي الذي قبلته دول المواجهة الثلاث وقبلته اسرائيل.

 وفي قبولنا لقرار وقف اطلاق النار ابقينا قواتنا المقاتلة على الجبهة السورية بامرة القيادة السورية حتى توقف القتال ثم الى ما بعد توقف القتال، وحتى الآن والى أن تزول الحاجة الى تواجدها على الأرض العزيزة الشقيقة فتعود لتستمر في أداء واجباتها الخطيرة وتحمل قدرها تجاه الأخطار والتحديات.

حضرات الأعيان، حضرات النواب،

 ان قرار وقف اطلاق النار الذي نشير اليه والذي أصدره مجلس الأمن تحت رقم (242) بكل بنوده فانه يقرر أن تبدأ فورا وفي نفس الوقت المحادثات بين المعنية تحت الاشراف المناسب بهدف اقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط.

ايها السادة،  لقد كانت المملكة الأردنية الهاشمية تنادي على الدوام، ومنذ صدور القرار (242) بتاريخ 22 نوفمبر 1967 بلزوم وضع هذا القرار موضع التنفيذ وقد تحقق نتيجة المعركة العسكرية الأخيرة تحرك القرار المذكور من حيز الجمود.

وفي هذه المناسبة أحب أن اؤكد من جديد أمامكم يا أعيان البلاد ونوابها، تأكيدا لا تردد فيه ولا إبهام، بان حكومتي تفهم من قرار مجلس الأمن (242) انه يقوم على ضرورة انسحاب اسرائيل الكامل من جميع الأراضي العربية التي احتلتها اسرائيل بقوة السلاح منذ الخامس من حزيران عام 1967. كما يقوم على ضرورة تأمين الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

اننا ايها السادة نتمسك بموقفنا في ضرورة انسحاب اسرائيل من كل منطقة عربية احتلتها منذ الخامس من حزيران 1967 ونرى أنه لا يمكن أن يقوم سلام في هذه المنطقة الا بالانسحاب الكامل. وغني عن القول أن القدس العربية، تلك الجوهرة الغالية على مفرق هذا الوطن لا يمكن تحت أي ظرف أو اعتبار أن نفرط بعودة السيادة العربية كاملة عليها وترجع بالتالي الى أهلها والى العرب المسلمين لتصبح مهوى افئدة المؤمنين.

وازاء تأكيدنا بان انساحب اسرائيل يجب أن يكون كاملا فاننا نقف بنفس المستوى من التأكيد على ضرورة الالتزام بيننا وبين الشقيقتين مصر وسوريا بوحدة هذا الانسحاب لكي لا يكون مجال لاضعاف مبدأ الانسحاب بطريق التجزئة.

وبما أن المملكة الأردنية الهاشمية وجمهورية مصر العربية والجمهورية العربية السورية هي الدول الثلاث المعنية بقرار مجلس الأمن رقم (242) فان من الطبيعي أن تظهر هذه الدول كفريق واحد تجاه تنفيذ هذا القرار.

 ولا تتعارض هذه القاعدة بطبيعة الحال مع إمكان بحث أي جانب من جوانب القرار المذكور مع أيــة دولــة من هذه الدول الشقيقــة الثلاث لها علاقة ( خاصة ) بذلك، البحث، أو إمكان اجراء اتفاق معها بذلك الشأن. غير ان الاتفاق العام والنهائي مع الدول العربية الثلاث يجب أن يكون واحدا ومشتملا على كافة نواحي التنفيذ لكي تكون التسوية واحدة.

 وكذلك نحن نتمسك بضرورة تأمين الحقوق المشـــروعة للشــعب الفلسطيني آخذين بالاعتبار أكثرية هذا الشعب الساحقة تتواجد فـــي شرقي النهر وغربيه.

أن تأمين هذه الحقوق هو شرط أساسي أخر لاقرار التسوية النهائية وإحلال السلام، ذلك لان هذه الحقوق لشعب شرد بغير ذنب قد أنزلها الله واقرها الانسان واثبتتها القرارات الدولية واقتضاها العدل. وليس مـــن المعقول أن يتمتع كل شعب بامنه وحريته وبناء كيانه ويبقى شعب فلسطين صاحب القضية وصاحب الحق محروما من ذلك.

واذا يسر الله لنا الأمر، وسدد خطانا على طريق التحرير فسيكون أول ما نطرحه على كل  أبناء فلسطين بالنسبة لأرض فلسطين أن يعطى لهم الخيار اما ان يبقوا معنا أو يتحدوا وأيانا أو ينفصلوا عنا باستفتاء عام يجري تحت اشراف دولي محايد، على الناس أن يدركوا أخيرا وفي وجه سحب الضلالة والتضليل وغشاواته الظالمة الكثيفة التي لما تنقطع ابدا، اننا لا نأخذهم بالإكراه، ولا نتخلى عنهم بالتفريط، وانما نترك لهم انفسهم اختيار نظام الحكم الذي يرغبون والمستقبل الذي يرتضون.

لقد ارتضينا لانفسنا - اردنيين وفلسطينيين - أن نعيش معا كيان واحد وتحت نظام حكم واحد، حكم وهبت له كل جهدي وشبابي ورعيته بكل عاطفتي وتفكيري ووجدت فيه بهجة الحياة حين تساوى في اسرتنا الواحدة المواطنون من شرقي النهر ومن غربيه واتحدوا في كل شيء أروع اتحاد. وغدا حين تشرق على الضفة الغربية  والقدس شمس التحرير، مثلما تشرق على كل منطقة عربية اخرى

بعون الله، غدا سيقرر اخوتنا غربي النهر مصيرهم كما يريدون.

حضرات الاعيان، حضرات النواب،

ولكي تبلغ الأماني وتحقق الغايات فلابد أن تظل الطاقات العربية العسكرية والاقتصادية والسياسية مرصودة لدعم الموقف العربي في مقارعته للعدوان الاسرائيلي حتى ينحسر هذا العدوان عن الأرض العربية المحتلة باسرها.

ولقد كان من دواعي التقدير والارتياح أن انتصرت الأسرة الدولية بكاملها للكفاح العربي العادل في مناهضة الاحتلال الاسرائيلي وفي سبيل تحقيق سلام دائم قائم على الحق والعدل. فتدافعت القارة الافريقية الصديقة دولة بعد اخرى تحدد موقفها الواضح من اسرائيل حتى تذعن للارادة الدولية في إنهاء احتلالها وتأمين انسحابها.

       ووقفت مجموعة الدول الاوروبية بدرجة مماثلة من العطف والتأييد لتناصر الموقف العربي العادل. 

       في مثل هذا الوضع ايها السادة، تطرح فكرة عقد مؤتمر للسلام يجمع الأطراف المعنية من اجل تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 242 واحلال السلام العادل الدائم. وان حكومتي عازمة عزما اكيدا دائما وابدا على أن تعمل بكل جهد مستطاع وكل اسلوب ممكن كي نحرر الارض وننقذ الأهل لترد الحقوق ونقدم حسابنا عن اعمالنا أمام الله والأمة والتاريخ.

على اننا لن نتبع سياسة الا اذا كانت براء من كل عوج وغموض ولن نتحرك الا على نور ولن نقول يوما الا كلمة الحق بعون الله.

       وفي هذا نتكل عليه جل وعلا. ونعتمد على مؤازرة كل اهلنا وذوينا وصدق وسلامة مقصدنا، وان على اصحاب الحق وأصحاب الأرض أن يرقبوا ويتابعوا ويقولوا كلمتهم حرة صادقة.

       وتعلمون ايها السادة أن المملكة الأردنية الهاشمية شاركت الأقطار العربية الشقيقة في حضور مؤتمر القمة العربي الأخير. ولقد حددنا في المؤتمر سياستنا على الأسس التالية :

أولا : اننا نطالب بانسحاب اسرائيل الكامل والشامل من كل ارض عربية  احتلتها منذ الخامس من حزيران 1967، واننا لا نقبل الانسحاب من  أي جزء على حساب أي جزء آخر، وهذا الموقف يجعلنا نؤكد ضرورة  وحدة الانسحاب.

ثانيا : اننا لا نقبل أية تسوية مجزوءة أو منفردة، وان التسوية العامة  والنهائية يجب أن تكون مع الفريق العربي بشكل موحد. ويتطلب هذا  من الأطراف العربية المعنية أن تؤمن فيما بينها وحدة الالتزام  ووحدة الرفض ووحدة القبول.

ثالثا : اننا بالنسبة للقضية الفلسطينية، نعترف للشعب الفلسطيني بحقه في  تقرير مصيره، واننا بعد أن نقوم بواجبنا بتحرير الضفة الغربية  والقدس الشريف ضمن واجبنا القومي نحو تحرير الأرض العربية  المحتلة كلها - فسنمكن اهلنا من غربي الأردن أن يختاروا لانفسهم  المستقبل الذي يريدون ونظام الحكم الذي يرتضون. ويقرروا بملء  حريتهم واختيارهم وباستفتاء يجري لهم تحت اشراف دولي محايد ما  اذا كانوا يريدون البقاء معنا أو الاتحاد وايانا أو الانفاصل  عنا. وسيكون لهم ما يريدون. واننا في كل حال سنظل لهم الأخوة  الأقربين.

       هذا هو موقفنا، ينبع من مبادئنا وقناعاتنا لا نبتغي به الا وجه الله ووجه الأمة والواجب. ولقد وصلتنا دعوة الى الاشتراك في مؤتمر السلام بجنيف. واننا لن نتوانى عن النهوض بمسؤولياتنا وبذل كل جهدنا لاسترجاع الارض واستخلاص الحق، في أي محفل دولي يتوخى هذا. غير اننا نرى أن القاء صفة تمثيل اهلنا في هذا المجال غيرنا، معناه اقصاؤنا عن دورنا في تأمين حق شعبنا في الضفة الغربية وسعينا لاستعادة ارضهم، الأمر الذي يتطلب الايضاح والتبيان مع الأطراف العربية الشقيقة المعنية كي نكون على بينة من مسؤولياتنا فنعرف كيف نتقدم الـــى هذا المؤتمر أو كيف نتوقف عن الذهاب اليه. وفي الحالين يكون تحركنا تقدما واستنكافا، مستندا الى بحث جدي صريح مع اخوتنا واهلنا والى تفاهم واضح متين حول الخطات التي سنخطوها في الطريق الى المستمر وفي عملنا في المؤتمر وفي مواقفنا الموحدة فيه ومطالبنا والتزاماتنا المشتركة. وبغير هذا وأمام محاولة استبعادنا عـــن التكلم باسم الشعب في المحتل من ارضنا والدفاع عن حـــق هـــذا الشعب حتى يتحرر، فاننا لا نريد التزاحم مع احد أو الاختلاف مع الاخوة. لقد بذلت اجيالنا المتعاقبة من اجل القضية كل غال ونفيس، وكان همها وهمنا، وكل همنا أن نسلك الطريق القويم مرتاحي الضمير حتى يكتب الله لنا النصر والفرج علما باننا وفي جميع الأحوال مصر اصرارا لا يتزعزع على ضرورة ممارسة جميع ابناء فلسطين لحقهم في تقرير مصيرهم بحرية تامة مطلقة. وعلى هذا فما زلنا نعلق الجواب النهائي عن هذه الدعوة حتى تتضح الصورة.

حضرات الأعيان، حضرات النواب،

       ان التجربة الأردنية الطويلة التي قادتنا الى الوضوح في الرؤيا السياسية على المستوين العربي والعالمي، هي ذاتها الأساس الذي بنت عليه حكومتي سياستها الداخلية، واذا كان صحيحا ان الانسان في الدنيا باسرها هو عماد التقدم والبناء، فان المواطن الأردني يتحمل مسؤولية خاصة في هذا الشأن، ذلك أن بلادنا، رغم ما مر ويمر عليها من احداث جسام، وما ترتب ويترتب عليها من مسؤوليات رئيسية إزاء قضية فلسطين، هي بحاجة ملحة ومستمرة الى اعمال التنمية والاعمار. بل ان أعمال التنمية والاعمار التي لا تتوقف هي التي تجعل صمود هذا البلد ممكنا. فالاردن محدود الثروات والامكانات المادية الكبيرة ولا يمكن له أن يحافظ على صموده وان يواجه التزاماته الا بتحقيق أكبر قدر من الانتاج بهدق تضييق الفجوة بين والواردات والنفقات. وما كان المواطن هو عماد الانتاج فان توفير أفضل الخدمات الأساسية له من ناحية وتأمين المناخ الملائم لعملية الانتاج من ناحية اخرى، هي المعادلة التي بذلت حكومتي كل جهد ممكن لتحقيقها.

       وانطلاقا من ايمان بلدنا المكافح بالمواطن الذي يظل الأبقى والأغلى بالنسبة للوطن فقد أتخذت الحكومة سياسة ثابتة تعتمد على دعم التربية والتعليم كقاعدة اساسية للمؤسسة التي تعني بالانسان منذ الطفولة حتى الشباب مؤسسة متكاملة تقوم على المدرسة والمعلم ويعينهما على أداء المهمة الكبيرة جميع الأجهزة والمؤسسات الاخرى حتى تتمكن المدرسة من دفع الفوج تلو الفوج من ابنائنا وبناتنا الى ميادين الحياة الواسعة مسلحين بالعلم والخلق مدركين واجبات المواطنة في بلد نام محدود الموارد، يعتمد في الدرجة الأولى على جهد ابنائه وبناته في رفع قدرة الوطن الانتاجية كما وكيفا، وقد نفذت مشاريع جديدةبهدف تنويع التعليم الثانوي تمشيا مع السياسة العامة للتنمية وتوفير الأيدي المدربة على مختلف المهن، فانشأت مدراس مهنية وصناعية وتجارية وزراعية ويجري العمل على إنشاء المعهد الفني للبولوتكنيك. وقد ارتفع عدد المبعوثين الى (1015) طالبا وطالبة. ولما كان قطاع لا بأس به من ابناء شعبنا قد حرموا من نعمة التعليم، فقد بلغت عدد مراكز محو الأمية للكبار (244) تهيء فرص محو الأمية لحوالي (5) آلاف دارسا ودارسة.

       وأما الجامعة الأردنية رمز نهضتنا ومحط انظارنا : نافذة نطل منها على حضارة العصر وعلومه وثقافاته فقد أدخلت نظامها الجديد المعروف بنظام الساعات المعتمدة وطبقته بنجاح توخيا لمواكبة الأنظمة الأكثر مرونة واتباعا في سبل التعليم العالي، كما تأسست كلية التربية وبدىء بالدراسات العليا في كلية العلوم. وقد استدعت الزيادة في نمو الجامعة، والبحوث العلمية والمشاركة في المؤتمرات والندوات العربية والدولية وتطوير الحياة الطلابية زيادة النفقات بنسبة 41% على العام الدراسي 1972.

حضرات الأعيان،حضرات النواب،

       وحتى تكتمل الصورة المشرقة التي نتوخاها للمواطن وللبيئة المحلية فقد حرصت الحكومة على توفير الكلمة المؤمنة الطيبة من خلال شد المواطنين الى عقيدتهم وربط الشباب بقيمهم وتراثهم وتعميق معاني الوحدة الوطنية وتمتين روابط الأخوة. وفي هذا المجال لعبت المساجد والمراكز الثقافية ودور العبادة ودورها الى جانب وسائل الثقافة والاعلام. ولقد تميز الاعلام بالتزام مبدأ تنمية الحس الوطني والقومي والحضاري من خلال الانفتاح الفكري والتزام الحقيقة ومخاطبة العقل والاتجاه بكل الامكانات لدعم الصمود وخدمة القضية المقدسة. ولهذه الغاية يجري العمل حثيثا في اقامــة محطة الارســال الكبرى علــى الموجـــة المتوسطة وتقوية أجهزة الارسال على الموجات القصيرة وينتظر أن يبدأ البث علـــى هـذه الأجهزة قبل نهاية عام 1974.  كما قطعت شوطا بعيدا خطة تقوية التلفزيون في المنطقتين الشمالية والجنوبية بحيث ينجز العمل في مطلع عام 1975. ووسعت الحكومة نشاطها الثقافي في الداخل وعززته بالاتفاقات التي عقدتها مع عدد من الدول الشقيقة والصديقة.

حضرات الأعيان، حضرات النواب،

       وكانت خدمات اللاجئين والنازحين المهاجرين والأنصار، موضع الاهتمام اذ استمرت حكومتي في توفير الخدمات التربوية والصحية والتموينية والاجتماعية التي تقدم اليهم بالتعاون فيما بين الأجهزة المختصة ووكالة الغوث الدولية بشكل خاص ومع الجمعيات الخيرية المحلية والدولية المختلفة التي تلقى دعم الحكومة الكامل للاستمرار في تأدية دورها الانساني الرائع. كما استمرت الحكومة في دعم الحركة التعاونية لتمكينها من أداء دورها في خدمة المواطنين وبالذات في القطاع الزراعي والانتاجي.

       وللقطاع الزراعي نصيب كبير من الاهتمام في المشاريع التي نفذتها حكومتي والتي هي قيد التنفيذ على مراحل تطول أو تقصر تبعا لطبيعة الأهداف المتوخاة من الخطة الزراعية وبالذات ضمن اطار الخطة الثلاثية للتنمية وهي أهداف يمكن تلخيصها بتوفير دخل أفضل وفرص عمل لقطاع الزراعيين وهو القطاع الاكبر والأهم في بلادنا. وقد سارت الحكومة بخطى مرسومة في انجاز مشروعات تطوير الزراعة البعلية ومشروع القمح في مختلف المحافظات ومشروع زراعة الأشجار المثمرة والتحريج ومراكز البحث والارشاد الزراعي. والحكومة ناشطة في استمكال المرافق الحديثة من مختبرات واخصائيين لتأمين الرعاية والتشجيع لقطاع الثروة الحيوانية كما تهتم بشكل خاص بمتابعة عمليات استصلاح الأراضي الصحراوية التي تتوفر فيها المياه الجوفية وتدريب أبناء البادية على الأعمال الزراعية وتوزيع الأراضي المستصلحة عليهم.

       ولكي يكون العمل في القطاع الزراعي والصناعي ميسورا، لابد من توفير المياه سواء للأغراض الزراعية البحتة ام لتأمين مياه الشرب، وقد انجزت الحكومة أربعة مشاريع ري كبيرة في المحافظات الجنوبية وتم تسليم الأراضي التابعة لهذه المشاريع لوزارة الزراعة لادارتها وتدريب الزراعيين الأكفاء الذين تم تمليكهم وحدات زراعية في تلك المناطق ولكي تتولى الاشراف عليها وصيانتها بأحدث الطرق كما قامت الحكومة بتامين 50% من المياه والأقنية الكفيلة بري مساحات كبيرة في مناطق اخرى، وفي مشاريع مياه الشرب تم تنفيذ المشاريع الكفيلة بسد حاجات مجموعات كبيرة من القرى في مختلف انحاء البلاد. وفي مجال التعدين والمعادن انجزت الأعمال المقررة في خطة التنمية الثلاثية لمشروع النحاس والمنغنيز وتم الكشف حتى الان عن (36) مليون طن من احتياطي خام النحاس الى جانب الكشف عن 5ر1 مليون طن من احتياطي خام المنغنيز وبوشر بالدراسات الفنية الخاصة بطرق استخلاص مادتي النحاس والمنغنيز من هذه الخامات بحيث ينتهي العمل من هذا المشروع عام 1975 وتستكمل جميع دراسات الجدوى الاقتصادية والفنية لاستغلالها. كذلك قامت الحكومة بالتعاون مع الجهات الدولية المختصة بالتحري عن الفوسفات في المنطقة الوسطى من المملكة ويتوقع نتيجة لذلك مضاعفة احتياطي خام الفوسفات القابل للاستهلاك ليصبح (400) مليون طن وبذلك يتسنى للأردن زيادة طاقته الانتاجية السنوية الحالية البالغة 1.5 مليون طن.

       وعلى طريق تنمية القدرة الوطنية على تضييق الفجوة بين الانتاج والاستهلاك عملت حكومتي على زيادة صادراتنا والتغلب على ضيق السوق المحلية وايجاد اسواق خارجية للتصدير. وفي مجال القطاع الصناعي بالذات قامت الحكومة بتشجيع قيام صناعات جديدة بلغ رأسمال ما أقيم منها بالفعل حوالي (7) ملايين دينار. وللمساهمة في ضبط التوزيع السكاني ولكي تعم الفائدة أكبر عدد ممكن من أجزاء المملكة، فقد اعتمدت الحكومة سياسة تشجيع الصناعات الجديدة وتوزيعها على مختلف المحافظات. وقد تم تسجيل شركات وطنية جديدة بلغ مجموعها (392) شركة بلغ رأسمالها (3) ملايين دينار وزادت الشركات المساهمة العامة رأسمالها مبلغ (6) ملايين دينار ومن المقرر أن تساهم الحكومة بمبلغ 5ر2 مليون دينار تقريبا في عدة مشاريع هامة هي شركة مصانع الخزف والورق والأجواخ.

حضرات الأعيان، حضرات النواب،

 لابد لي هنا أن أنوه بالنجاح الذي حققته الحكومة فيما يتعلق بتوفير حوالي 70% من التمويل اللازم بالعملة الأجنبية لتنفيذ مشاريع خطة التنمية الثلاثية وذلك عن طريق المباحثات التي أجرتها مع المؤسسات المالية الدولية، والاتصال بالحكومات الصديقة والتعاون الوثيق الذي استطاعت اقامته مع مؤسسات التمويل العربية. وفي هذا المضمار أبدى القطاع الخاص في الأردن نشاطا ملحوظا في مختلف مجالات الاستثمار والتنمية مما يشير الى مساهمة هذا القطاع الفعال بدوره المرسوم في تنفيذ الخطة جنبا الى جنب مع القطاع الحكومي. واستكمالا لهذا الجهد فقد نظمت حكومتي السياسة المالية بوعي وتجاوب مع الأوضاع الاقتصادية والمالية التي تمر بها البلاد وتبعا لذلك كله ازدادت فعالية تحصيل الضرائب والأموال الأميرية. وقد عمدت حكومتي الى شراء مادتي القمح والذرة من أجل المحافظة على ثبات سعر الرغيف بحيث يكون في متناول جميع  طبقات الشعب وحتى تساهم في تخفيف أزمة الأعلاف. وقد تحملت الخزينة في سبيل ذلك أكثر من نصف الثمن عن المواطن.

       ودعما للموقف المالي الداخلي اتخذت مجموعة من الاجراءات منها السماح

للبنوك التجارية الأردنية بقبول ودائع بالعملات الأجنبية من الأردنيين الذين يعملون في الخارج ومن غير المقيمين سعيا لاجتذاب المزيد من العملات الصعبة وسيرا على طريق تدعيم ميزان المدفوعات الأردني وتوخيا لزيادة رؤوس الأموال المتاحة لتمويل الاستثمار فــي شــتى المشاريع الانمائية.

ايها السادة،

       وبالاضافة الى ما تقدم ايجازه فهناك مشروعات نفذت واخرى يجري تنفيذها تنهض بها أجهزة الدولة المختلفة في ميادين الصحة العلاجية والوقائية وفي تحسين شبكة المواصلات والطرق العامة ومشاريع الاسكان والأبنية الحكومية وتطوير النقل البري والجوي وصناعة السياحة تجاوبا مع النمو المطرد في قطاعات الانتاج والتجارة والخدمات الاجتماعية - وهي تهدف كلها الـــى تطبيق الأساليب العملية في التنمية والتطوير الاقتصادي وتشغيل الأيدي العاملة والاتجاه نحو تحقيق الازدهار الاقتصادي في شتى الميادين.

حضرات الأعيان، حضرات النواب،

       وحتى يظل المواطن ينعم على الدوام بالاستقرار والشعور بالأمن فقد استمرت حكومتي في تنفيذ سياسة الدولة الرامية الى تطوير أجهزة الأمن والدفاع المدني والأساليب والاجراءات التي تتبعها والمرافق والمعدات التي تستخدمها بحيث تظل تقدم خدمات متحسنة باضطراد لجميع المواطنين. كذلك تحسنت الخدمات التي تقدمها مديرية الجوازات العامة والأحوال المدنية بافتتاح مكاتب جديدة لجميع المحافظات وباستعمال الأساليب الأكثر تقدما في تسهيل المعاملات وانجازها بالسرعة الممكنة.

حضرات الأعيان، حضرات النواب،

       ازاء ما تقدم من اعباء ومسؤوليات وميادين فسيحة من العمل والمشقة والبناء، وازاء تطلعات الشعب والمواطنين الى تحقيق الحياة الكريمة الراضية لا أجد دعامة نستند اليها أقوى من دعامة الوحدة الوطنية والجهد المتكامل، فالى كل أخ في هذا البلد العزيز - شرقية وغربية - تحية الواثق بصدق شعبه المؤمن بحق هذا الشعب وقدرته، المتكل على الله تعالى في كل ما يفكر ويعمل، فهو حسبنا وهو نعم المولى ونعم النصير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

© 2017 مجلس الاعيان الأردني. جميع الحقوق محفوظة