خطاب العرش في افتتاح الدورة العادية الثانية لمجلس الأمة الأردني التاسع
نسخة للطباعةارسل هذه الصفحة

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على نبيه العربي الأمين

حضرات الأعيان ، حضرات النواب

باسم الله العلي القدير ، نفتتح الدورة العادية الثانية ، لمجلس الأمة الأردني التاسع . مستهلين دقائقها الأولى ، بالترحم على شهدائنا الأبرار ، الذين جبلوا تراب وطنهم بالطاهر الزكي من دمائهم ، وغرسوا رايات البطولة والكرامة ، على كل سفح ومرتفع من وطننا الغالي ، ونشروا الويـــة التضحية والفداء في كل بقعة من بقاع اردننا الحبيب ، شرقيه وغربيه ، شماله وجنوبه ، سواء بسواء . معاهدين الله أن نقتفي آثارهم ، ونمضي على طريقهم ، صادقين مؤمنين ، صابرين مرابطين على عتبات اليرموك وقرب مثاوي الصحابة والتابعين ، وفوق كل مرتفع وخلف كل ثنية من وطننا الحبيب " مـــن المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ،‏فمنهم من قضى نحبه . ومنهم من ينتظر . وما بدلوا تبديلا " . صدق الله العظيم .

ونبعثها من موقفنا هذا ، تحية اعتزاز وتقدير ، الى ابطالنا ، جنود الحرية والاستقلال ، حماة الحق والشرف ، الرابضين في معاقلهم دفاعا عنا وعن أمتهم يلقــون الموت بصدورهم وقلوبهم ، لينتزعوا من بين براثنه واشداقه ، كرامة الأردن وحريته ، وحرية العرب وكرامتهم .

ونزجيها في هذه الساعة ، وفي كل ساعة ، تحية حب واكبار الى أهلنا واخواننا ، المنزرعين في جيرة المعراج ومهاد البطولات ، في المحتل من ارضنا الطهور ، يصوغون لنا ، بالدم ، وعذابات الروح ، ملاحم لا تنقطع ولا تنتهي ، من صادق الوطنية، وراسخ الايمان ، ويخطون أمام عيون العالم ، بحبات قلوبهم، ونور عيونهم ، اسفارا من التضحيات في وجه المعتدي الباغي يعلون بها وحدة بلدهم ، وقد أراد لها أن تذوب وتتلاشى ، ويؤكدون من خلالها أصالة عروبتهم ، وقد توهم أنها ستمحى وتزول ، ويصونون بها اسم امتهم ، وهو الذي حسب انا انتهت في العالمين . " يا ايها الذين آمنوا ، اصبروا وصابروا ورابطوا ، واتقوا الله لعلكم تفلحون " .صدق الله العظيم .

حضرات الأعيان ، حضرات النواب

قبل أن نبدأ في استعراض احداث عام مضى ، ورسم الخطوط الرئيسية لمسيرتنا خلال عام يهل ، لابد لنا من الوقوف عند مجموعة من الحقائق ننظر فيها وندعو العالم الى إمعان النظر فيها بجد واخلاص.

  1. لقد كان عدوان اسرائيل المعروف بعدوان حزيران 1967 ، على المملكة الأردنية الهاشمية ، والدول العربية الشقيقة ، ذروة جديدة بلغها المد الاستعماري للحركة الصهيونية العالمية ، في سعيها الدائم لاحتلال المزيد من الأرض عن طريق استعمال القوة ، وفرض سيطرتها على منطقة الشرق الأوسط ، عن طريق بناء قوة عسكرية متفوقة في اسرائيل ، تمكنها مــن الوصول الى مصادر الثروة في المنطقة في يوم قريب او بعيد ، والتحكم بشؤونها ومصائر دولها وشعوبها وفقا لما تقتضيه مخططاتها بعيدة المدى .
  2. كان صدور قرار مجلس الأمن الدولي بتاريخ 22 تشرين الثاني 1967 ، محاولة أولية من المنظمات الدولية لازالة نتائج ذلك العدوان، وصيغة تمهيدية، لتطويق الحجج التي تعتمدها اسرائيل ، لتبرير سلوكها العدائي المتمادي ، في المنطقة العربية ، منذ البداية ، وكان من اهم المبادىء التي أكدها ذلك القرار ، اعلان عدم شرعية اكتساب الأراضي بقوة السلاح وبالتالي الدعوة الى الانسحاب من جميع المناطق التي جرى احتلالها منذ الخامس من حزيران 1967 . والدعوة الى معالجة القضية الانسانية الكبرى ، قضية اللاجئين ، التي ما زالت تنتظر عدالة العالم منــذ عشرين عاما . والتي زادت ابعادها وتعاظم ثقلها على نفوس اصحابها، وعلى كاهل بلدنا ، نتيجة لحرب حزيران .
  3. كان الموقف الأردني من قرار مجلس الامن ذلك ، نابعا من كوننا دعات سلام وشعب سلام وأمة سلام ، نابعا من مقتضيات القرار نفسه من جهة ، ومتفقا ومنسجما مع الموقف العربي المشترك من ذلك القرار، من جهة اخرى. فلقد اعلنا قبولنا بقرار مجلس الأمن الدولي ، وقبلنا بوضعه موضع التنفيذ جملة وتفصيلا ، ولكنا أكدنا ، ونعود نؤكد من جديد ، ان انسحاب اسرائيل يجب أن يجيء كاملا وشاملا من جميع الأراضي والمناطق العربية التي احتلتها نتيجة لحرب الخامس من حزيران ، وان أية مكاسب اقليمية أو مطامع توسعية تحاول اسرائيل أن تحققها ، من خلال تنفيذ هذا القرار، أو عدم تنفيذه، انما تدين اسرائيل بنقض هذا القرار وخرق مبادئه ، وبالتالي تكشف أمام العالم أجمع عن حقيقة نواياها ، وتجعلها وحدها مسؤولة عن احباط التسوية السلمية التي يتوخاها القرار .
  4. كان موقف اسرائيل من قرار مجلس الأمن الدولي موقف المتصلب الذي أعمته نشوة النصر العسكري عن وضع الامور في مواضعها أو رؤيتها على حقيقتها . وأكثر من ذلك ، فقد جاء ذلك الموقف - متناقضا كليا مع اتجاهات الرأي العام العالمــي كله . وهو الرأي الذي ضللته اسرائيل لسنوات طويلة خلت، حين صورت له أنها هي التي تقف في موقف الحمل الوديع ، وأن العرب هم الذين ينهجون منهج العدوان، ولا يعرف السلام الى نواياهم سبيلا. لقد خرجت اسرائيل بموقفها ذلك عن منطوق القرار ، وضربت بمقتضيات السلام عرض الحائط . وصورت النشوة لقادتها انهم قادرون على إملاء ارادتهم من مركز قوة ومن موقع احتلال ، فرفضوا قبول القرار ، ورفضوا الالتزام بتنفيذه وراحوا يروجون لحكاية المفاوضات المباشرة مع الحكومات العربية ، مصرين على أن لا يتم تحديد موقفهم من مبدأ الانسحاب الذي ينادي به قرار مجلس الأمن الدولي ، الا بعد خضوع الجانب العربي وقبوله بالتفاوض . وبكلمة اخرى ، فقد اتضح للعالم، انه في الوقت الذي أثبت فيــه العرب انهم دعاة سلام قائم على الحق والعدل ، فقد أثبتت اسرائيل أنها تسعى وراء سلام قائم على الذل والاستسلام.
  5. لم تكتف اسرائيل بتسجيل ذلك الموقف على نفسها ، بما ينطوي عليه من استهانة بالمنظمة الدولية وتحد لقراراتها ومبادئها ، وبما يحمله من معاني الاستخفاف بالرأي العام العالمي والاصرار على تعريض السلام في المنطقة، وفي العالم للخطر . وانما هي اندفعت وطوال الشهور العديدة الماضية ، في سلسلة من الاعتداءات اليومية على هذا البلد . فهي في الصباح تقصف المدن الآمنة والقرى الصغيرة بنيران مدفعيتها وقنابــل طائراتها ، وهي في المساء تحرق بالنابالم ، معسكرات اللجئين الذين اقتلعتم من بيوتهم ومزارعهم وديارهم ، من غير أن يهمها أن يكون في عداد ضحاياها البريئة ، الطفل الرضيع ولا الشيخ الطاعن في السن . وأكثر من ذلك ، فقد عمدت اسرائيل الى ترحيل العديد من ابنائنا في الضفة الغربية ودفعت بهم شرقي النهر ، لتضيف الى جموع اللاجئين جموعا جديدة ، وتعمق المأساة الانسانية بالجديدمن الضحايا والآلام .

وعلى الرغم من أن مجلس الأمن الدولي ، كان ينعقد في أعقاب كل اعتداء من هذه الاعتداءات ، ويصدر قرارا بادانة اسرائيل ، ويندد بمخالفاتها لقرارات المجلس والمنظمة الدولية ، فان اسرائيل كانت تحتفظ لمجلس الأمن برد واحد على قراره : هو المزيد من الاعتداءات تقوم بها ضد هذا البلد ، والمزيد من الاعراض عن نداءات السلام والمحاولات الجــادة المخلصــة لتحقيقه .

وكان على بلدنا ، أن يقابل تلك الاعتداءات بالمزيد من الصمود والثبات ، والمزيد من التمسك بحقوقنا والاصرار على الدفاع عن وطننا وامتنا ، والمزيد من الايمان بحتمية انتصار الحق في النهاية ، مهما تعاوره اذى الباطل ، أو عصفت به قوى الشر والعدوان .

حضرات الأعيان ، حضرات النواب

لم يكن العام الذي انقضى ، بالنسبة لنا ، كمثله عند غيرنا من الأمــم والشعوب . ففي الوقت الذي كانت تتلاحم فيه مشاعرنا وآمالنا وآلامنا ، مع مشاعر أهلنا في المحتل من ارضنا وآمالهم وآلامهم ، وفي سائر الحالات التي يتخذها رفضهم للاحتلال ومقاومتهم له سلبا وايجابا كان علينا ان نتوزع الدقائق والساعات من كل صباح وكل مساء ، بين صمودنا في وجه عدوان اعدائنا المبيت المستمر ، وبين بناء بلدنا ، وتوفير اسباب القوة والمنعة له في كل ميدان وعلى كل صعيد . واكثر من ذلك ، فقد كان علينا أن نتصل بالعالم ونعرفه على حقيقة قضيتنا ، بالارتحال الى ارجائه المختلفة حينا للالتقاء بقادته ورجالاته ، واستقدام العديد من ذوي الأثر والنفوذ من ابنائه من سائر الأجناس حينا آخر . ويقيننا ان الجهد المبارك الذي بذل في هذا السبيل ، قد أسهم الى حد كبير في شرح موقفنا السليم لأمم العالم وشعوبه ، وحقق بالتالي رسم الصورة المشرقة التي تعرفها الدنيا عن بلدنا ، هذه الأيام .

واذا كنا لا نوثر الدخــول في تفصيل المنجزات التي تمت خلال هذا العام ، فاننا لابد وأن ننوه بكثير من التقدير ، بالجهد المتواصل الذي بذلته الحكومة لتحقيق التفاعل الايجابي البناء بين قوى الدولة عموما والخدمات الموصولة التي قدمتها لاخواننا اللاجئين والنازحين والخطوات التي قطعتها اجهزتها ومؤسساتها العامة في ركب موحد السير محدد الغايات . واذا كانت المساعادات المالية التي نتلقاها بعميق الشكر والعرفان من الدول العربية الشقيقة ، قد أسهمت في تحقيق ذلك كله، فان مما لاشك فيه أن المواطن في هذا البلد ، كان هو السلاح الأول الذي جعل ذلك كله ممكن التحقيق . فلولا وعي هذا المواطن ، وارتفاعه الى مستوى المسؤوليات التي فرضتها طبيعة المرحلة ، ولولا تضحيات هذا المواطن واستعداده الدائم لبذل روحه ودمه فـي سبيل بناء بلده والدفاع عن حريته ، ولولا ايمان هذا المواطن بقيادته وثقته بقدرته على صنع المعجزة وتصديه لصنعها لما تحقق لنا من ذلك كل شيء ، قليل او كثير .

لقد كان من الطبيعي ، أيها الأعيان والنواب المحترمون ، ان تنال قواتنا المسلحة من عنايتنا ما نالته وستظل تناله ، وأن يستمر الجهد المبذول لتطويرها واعدادها -في حدود الامكانات- دون انقطاع . واستطاعت هذه القوات ، أن تسطر أمام العالم ، صفحات خالده من البطولات ، في دفاعها الباسل المستميت ، عن بلدنا وكرامة امتنا ، وفي ثباتها الشجاع أمام سيول من الاعتداءات ، لا تنقطع ولا تنتهي . واذا كان المجتمع الأردني برمته ، خير ظهير لقواتنا المسلحة ، فان سندها الكبير ، قد تمثل أول ما تمثل ، بالقوات العربية الشقيقة المرابطة ، ثم في ذلك التقدير البالغ الذي تتمتع قواتنا عند أبناء أمتنا ، والاعتزاز الصادق الذي انتزعته لنفسها عند كل عربي امين .

حضرات الأعيان ، حضرات النواب ،

لقد كانت سياستنا العربية تقوم على الدوام على أساس راسخ من ايماننا بوحــدة امتنا في سائر اقطارها وأمصارها ، وانطلاقا من تلك السياسة ، فقد حرصت الحكومة على تنمية التعاون والاخاء بين المملكة الأردنية الهاشمية والأقطار العربية والاسلامية الشقيقة . فبلدنا لم يكن يوما من الأيام ، غيـــر جزء لا يتجزأ من وطننا العربي الكبير ، واسرتنا الأردنية ، في ضفتيها ، ليست سوى بعض من الأمة العربية ، تتحد معها في الالم والأمل ، وفي المسير والمصير .

واما في المجال الدولي ، فقد جهدت الحكومة في الحفاظ على التوازن والصداقة في علاقتنا مع جميع الدول ، واتخذت من المواقف ما دعم مبدأ التوازن والاعتدال في السياسة الدولية .

حضرات الأعيان ، حضرات النواب

لقد قطعنا العهد على انفسنا أمام الله ، أن نظل نبني ونعد ، ونكافح ونناضل من أجل استرداد الوطن الغالي وانقاذ الحق والكرامة . وفي الوقت الذي نمد فيه يدنا لكل جهد صادق وشريف يهدف تحقيق السلام العادل فاننا نعلنها بكل صراحة ووضوح ، اننا سنظل نقف على تراب هذا الوطن المقدس ، وقفة الرجولة والبطولة ، دفاعا عــــن وجودنا ، وعــــن الوجود العربي كله ، مؤثرين الموت في أية لحظة ، على التفريط بحبة واحدة مـــن حقنا المشروع .

حضرات الأعيان ، حضرات النواب

اننا ونحن نتمنى لكم التوفيق فيما انتم مقبلون عليه من مهمات طوال هذه الدورة ، وندعوكم الى التعاون الصادق البناء مع السلطة التنفيذية ، لنتمنى ايضا لكل مواطن في بلدنا الأمين ، التوفيق في خدمة اردنه وبنائه ، وندعوه الى المزيد من التضحية ، والمزيد من الصمود ، والمزيد من الثبات .

قال تعالى " وليمحص الله الذين آمنوا ، ويمحق الكافرين . أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ، ويعلم الصابرين" .صدق الله العظيم .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

© 2016 مجلس الاعيان الأردني. جميع الحقوق محفوظة