خطاب العرش في افتتاح الدورة العادية الأولى لمجلس الأمة الأردني السابع
نسخة للطباعةارسل هذه الصفحة

بسـم اللـه الرحمـن الرحيم

والصلاة والسلام على نبيـه العربي الكريم

حضـرات الأعيان ، حضـرات النواب

يسعدنا ان تفتتح هذه الدورة الاولى لمجلس الامة السابع شاكرين لله العلي القدير ما متع به وطننا العزيز من تقدم صادق ورخاء صحيح وما حبا به اسرتنا الاردنية من وعي مبارك لدروس الماضي ومسؤوليات الحاضر واماني المستقبل ومبتهلين اليه جل وعلا ان يلهمنا جميعا المزيد من سداد الرأي ونيل المسعى وصدق العزم والايمان .

ويطيب لنا ونحن نرحب بكم في هذا المجلس ان نهنئكم بثقة اهلنا وذوينا ابناء اسرتنا الكبيرة بعد ان تمخضت ارادتهم الحرة الواعية عن اختيارها لكم لتحملوا شرف النيابة عنهم في اعقاب انتخابات جعلها ادراكهم واخلاصهم امثولة للعمليات الانتخابية في المنطقة بأسرها ونسأله تعالى ان يمنحكم القوة والقدرة على المشاركة الخيرة الفعالة في حمل الامانة ويمدكم بالعون والتأييد بتحقيق المزيد من بناء بلدنا الغالي وخدمة امتنا العربية الماجدة .

حضـرات الأعيان ، حضـرات النـواب

منذ أقل من عام صدر كتابنا بتأليف الوزارة الحالية متضمنا الحقائق الكبرى التي تتمثل في كياننا المتين والمباديء الاساسية التي ينطلق منها كفاحنا الشريف والرسالة التاريخية التي يحمل لواءها بلدنا الامين . نحن نرى في الاردن المنطلق الصحيح للنضال العربي ونراه الطليعة الصادقة لموكب العروبة المؤمن بقدسية الكرامة والحق وحتمية انتصارهما عل الثرى الطيب في الوطن السليب . ونراه كذلك عدة النفس العربية المؤمنة بربها وقيمها العليا ، المعتزة بتاريخها وتراثها في انطلاقها في رحلتها الطويلة المظفرة لتحقيق رسالتها الكبرى في هذه الحياة .

ومن اجل ان تظل تلك الحقائق انبل معطيات الكيان وهباته ، ولكي تبقى تلك المباديء اقوى حوافز الكفاح ودوافعه وحتى تكرس سائر الطاقات والامكانات في سبيل مجد تلك الرسالة ، فقد انطلقت دعوتنا الى اسرتنا الاردنية لبناء الوطن النموذج في كل متنفس للحياة في ربوعنا وكل منطلق للعيش تحت سمائنا في اطار من المحبة والوفاء ، يشيعان في كل قلب وبدفع من الثقة والعزم يملآن كل فؤاد .

ولقد سرنا ان يلتقي عند هذه الدعوة جهد المخلصين وعمل الشرفاء لتصبح للاسرة الاردنية قبس الهدى ومصدر النور في مسيرها الطويل .

حضــرات الأعيان ، حضــرات النواب

في غضون الاشهر العشرة الماضية خطت الحكومة خطواتها الاولى في تنفيذ البرنامج الشامل الذي رسمناه عند قيامها وبقدر ما كان في ذلك البرنامج من

وحي اسرتنا الاردنية الغالية فقد كان فيه كذلك صدى ايماننا العميق بأن وطننا الحبيب هو قلب عروبتنا النابض يعيش آمالها وآلامها ويؤمن بأن الخير لابنائه هو خير لكل عربي في كل بقعة من بقاع الوطن العربي الكبير . ولقد وفت الحكومة بالعهد الذي قطعته على نفسها بأن تكون خادمة الاسرة لانها من الاسرة واليها . وانجزت العديد من الخطوات التي تهدف الى جعل الاردن نموذجا في الحرية والعدالة ونموذجا في مستواه العلمي وفي اسلوب الحكم والادارة فيه مثلما هو نموذج في سيره القومي الايجابي ومستواه العسكري الرفيع واعماره الاقتصادي والاجتماعي على حد سواء .

فلقد نشطت الحكومة في انجاز الكثير من القوانين والانظمة والتشريعات ودفعت بالحريات الايجابية الواعية لتعمل وتبني وتشيد في كل مجال ومضت تنشر المزيد من ضياء العلم في ربوع بلدنا ، وتمكن المحتاجين من ابنائها وبناتها من الحصول على كتبهم بالمجان وجددت في اساليب التعليم وطرائقه ومفاهيمه واوفدت من شبابنا المتعطش للمعرفة والعرفان ، ستماية طالب وطالبة للدراسة في ارقى الجامعات في العالم . وبلغ المد العلمي ذروته خلال الشهرين الماضيين حين عجل وجود اكثر من اربعة عشر الف تلميذ لنا في جامعات الارض ، بتأسيس الجامعة الاردنية ليتحقق لنا بقيامها حلم طالما راود خيالنا في هذا الوطن العزيز .

لقد كنا نرغب دوما في ان يشاركنا حمل المسؤولية التي نعتز بها جهاز حكومي يتمتع بالكفاءة والاخلاص وتتوفر في كل عضو من اعضائه اسباب الامانة والاستقامة والعمل النزيه وقد قامت الحكومة في هذا المجال باعادة النظر في تنظيمات الاجهزة الادارية والفنية في سائر الوزارات والدوائر ، حتى اهدت لبلدنا جهازا نظيفا فعالا تتوافر لاعضائه الخبرة والامانة والقدرة على الاضطلاع بخدمة الاسرة الاردنية بمجموعها .

لقد كانت قواتنا المسلحة وستبقى القوة التي تحمي كياننا وتحرس استقلالنا وحصن الدفاع عن امتنا وعدة العرب لمعركهم المنتظرة في غد قريب فمضت الحكومة في مضاعفة تعزيزها وتزويدها بالمعدات والاسلحة مثلما تم تنظيم قيادتها العامة على احدث نظام يفرضه الاسلوب الحديث للقيادات العسكرية . وابى جيشنا الذي يعرف الجميع مكانته قوة وبأسا ونظاما الا ان يسهم بدوره في معركة البناء والتعمير التي يخوضها بلدنا فوق كل شبر من ارضه الطهور ، فاشتركت وحداته في شق الطرق وبناء الجسور والسدود في كل مكان وكان لقاء الجيش مع الوف الطلبة الشباب في معسكرات الحسين هذا العام هدية خير ومنعة اهدتها اسرتنا الى ابنائها والى امتها لتعيد اهداءها لهم اوفر غنى وفعالية في كل عام . وانصرف جهد الحكومة الى كل زاوية من زوايا كياننا بحيث اصبح الجهد المخلص والعمل المنتج والتقدير الواعي لمسؤولية خدمة الاسرة الطابع الذي تتسم به خطوات سائر اجهزة الدولة وتشكيلاتها . وتمثل ذلك التطور الكبير فيما انجزته الحكومة حتى الآن من المشاريع التي اشتملت عليها الميزانية العامة لهذه السنة . وهي المشاريع التي وضعت وفقا لخطة التنمية الشاملة في برنامج السنوات الخمس . وهي كلها تهدف الى تنمية ثرواتنا الزراعية والمعدنية والسياحية والبشرية فكان ما تم انشاؤه من عيادات صحية ومدارس ومراكز للخدمات المختلفة ومشاريع الطرق والتحريج والمياه قياســا في كمــه وكيفـه وشمولــه مما انتزع تقديـر المواطنين واعتزازهم .  

 وبعثت الحكومة بالوفود الى العديد من اقطار الارض تدعو لقضايانا وتشرح حاجاتنا في اطار العمل على تحقيق المزيد من المكاسب المادية والمعنوية لنا في كل ميدان .

واذا كان تقدم الامم ونهوضها لا يقاس بمقياس واحد ولا يرتبط بمجال من مجالات العمل والنشاط فان من حقنا ان نغتبط ونحن نرى تقدم اسرتنا يتحقق بسائر المقاييس ونهوضها يقوي ويشتد حتى يشمل في آثاره كل مجال .

حضـرات الأعيان ، حضـرات النـواب

لم تكن القضية الفلسطينية بالنسبة لنا في يوم من الايام مجرد قضية سياسية نجهد ونعمل في سبيلها ولا كان موقفنا بصددها مجرد موقف يمليه تمسكنا بالمباديء والقيم والحقوق _ انها في عقيدة هذا البلد وفي صلب كفاحه ونضاله وفي اعماق ضمائر ابنائه قضية موت او حياة .

فهي في جوهرها تمثل ذلك العدوان الذي تم على جزء من الوطن العربي في محاولة لمحو تاريخه وواقعه الجغرافي والبشري . وتشير الى ما سيوقعه ذلك

العدوان من محاولات مماثلة على سائر اطراف ذلك الوطن ، في قادم الايام . ومن هنا ، فان حقيقة كفاحنا من اجل تحقيق الرسالة العربية التي نحمل لواءها في هذا البلد تنبع من ايماننا العميق بأن لا حرية حقيقية للعرب من غير فلسطين ، ولا وحدة صادقة لهم بدون فلسطين ولا حياة افضل لاحد منهم ، الا بفلسطين .

وعلى هدى من هذه الحقيقة ، انطلقت دعوات هذا البلد لاشقائه العرب مرة بعد مرة تحفز وتحذر وتنبه للاخطار واذا كانت الدعوات قد تاهت تارة في خضم المشاحنات والخلافات او كانت لم تلق حقها من الاستجابة والتقدير بفعل الانانية والمطامع والشهوات فقد كان على الاردن ان يمضي في موقفه القائم على جوهر ايمانه بالقضية الفلسطينية ويستمر في جهده المخلص لانقاذها من حمى المتاجرة بها او الانصراف عنها فيما يفتعل كل يوم من نزاع وخلاف . ومن اجل ذلك فقد وضعت الحكومة مخططا تلتزم به وتسير على هداه فهو يضمن عند تطبيقه حشد الجهد العربي وتنظيمه وتنسيقه ثم سوقه وتوجيهه الى حيث ينتزع النصر لقضيتنا المقدسة واستعادة حق امتنا كاملا في فلسطين .

حضـرات الأعيان  ، حضـرات النواب

ان الاردن جزء لا يتجزأ من الامة العربية ومثلما عاش الاردن هذه الحقيقة وعاش لها ، كذلك فقد حرص الحرص كله على ان يقيم علاقاته باشقائه على أسس من ايمانه بتلك الحقيقة في اطار من المحبة الصادقة والثقة المتبادلة والتعاون التام في سائر الحقول . وهو اذ يؤمن ايضا بضرورة التعاون العربي الاخوي خدمة لرسالة القومية العربية السمحة ، يؤمن ايضا بأن الخلق العربي الاصيل ، هو الذي نسج لحمة تلك الرسالة وسداها وصاغ من نوره وضيائه حقيقة معناها . ومن هنا فقد كان السلوك السياسي لبلدنا وفيا ابدا لمباديء الاخلاق العربية وقيمها النبيلة وهو وفاء سيظل يستمد روعته وباءه ، من وعورة الطريق التي اخترناها لمسيرنا الطويل ووفرة الصعاب والعقبات التي تخطيناها وعلينا ان نتخطاها في كل خطوة من الخطوات . وسيظل ذلك الوفاء يهدي سلوكنا ويحدوه ، لانه انعكاس لايماننا بالانسان العربي في هذا البلد وفي كل بلد عربي وصدى لاحترامنا لارادات الشعوب العربية وحرصنا على مصيرها المبارك المشترك ، ولقد بلورت الحكومة هذه المعاني والمفاهيم كلها في الكتاب الابيض الذي اصدرته ليحدد برنامجا بصدد قضيتنا الفلسطينية وعلاقاتنا العربية مع سائر الاشقاء .

وفي ظلال هذه المعاني ، تم بعون الله بين مملكتنا وبين المملكة العربية السعودية الشقيقة ، ذلك اللقاء الذي يهدف لتحقيق المزيد من الخير والقوة لاسرتنا الاردنية وللشعب السعودي الشقيق سواء بسواء .

وفي ظلال هذه المعاني كذلك لم يكن هناك بد من ان يكون للاردن موقفه المعروف من المأساة الخلقية والقومية التي وقعت في اليمن الشقيق ، فلقد كانت احداث اليمن في نظرنا مثلا جديدا لهزيمة الاخلاق التي لا نرضى لها بذل او هوان . وكانت كذلك جرحا عميقا ينزله في جسد امتنا من لا يتقي الله في امرها ، لينزف منه الدم الغالي وتهدر من خلاله الطاقة الثمينة والقدرة النادرة واذا كان احد بالامس قد سأل نفسه بصدد ذلك الموقف او تشكك فيه فما نحسب ان احدا في عالمنا العربي اليوم الا وادرك صدقه وصحته وصوابه .

وان واجبنا القومي ليدعونا من جديد الى المصارحة بأن الامة العربية تقف اليوم على مفترق الطرق فاما ان تظل ميدانا لمغامرات المغامرين ومسرحا للنزوات والوان الحقد والكراهية والجريمة واما ان تحزم امرها وتوحد جهودها وتنهد لحمل رسالتها التاريخية بثقة وعزم واخلاص . وسيظل الاردن يرى مجده في مجد امته وقوته في قوتها هو بعض منها وهي اصل له لا يبدل في ذلك ولا يحول ما تثيره سياسات البعض هنا وهناك من اذى وغبار .

اما في علاقاتنا الدولية فيسرنا ان نشير الى ما قامت به حكومتنا من اتصالات واسعة في سائر انحاء العالم لكسب التأييد والمناصرة للقضايا العربية وفي طليعتها قضية فلسطين وتظل سياستنا في هذا المجال قائمة على اساس الاحترام المتبادل بيننا وبين الدول ومصادقة من يصادقنا منها ويصادق امتنا ، ومعاداة من يعادينا او يعاديها ولن نساوم على حريتنا او حرية امتنا في سائر اقطارها ومختلف امصارها او نهادن من يساوم عليها في اي وقت من الأوقات مثلما اننا سنكافح من اجل ان تبقى عروبتنا ودعوتنا التي تحدرت الينا عبر التاريخ صافية اصيلة نقية ، نقاء الدم والعرق والدموع التي بذلتها امتنات عبر الاجيال .

حضـرات الأعيان ، حضـرات النواب

اننا ونحن نفتتح هذه الدورة لمجلسكم العتيد نكرر لكم التهنئة بشرف الخدمة نوابا عن اسرتنا ونتطلع بملء الثقة والايمان الى مرحلة جديدة يشيع فيها المزيد من الخير في ربوع بلدنا ، ويتوفر فيها العديد من اسباب المنعة والتقدم لكياننا ويشتد فيها الجهد المخلص لتحقيق رسالتنا في الحرية ، والوحدة والحياة الافضل .        

وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ، " صدق الله العظيم "  وينتهي يا حضرات الاعيان وحضرات النواب عند هذا الحد خطاب العرش وقد جاء جامعا بايجاز لمنجزات مرحلة من مراحل كفاح اسرتنا الاردنية الموصول طبقت خلالها حكومتنا بصدق وعزيمة تعليماتنا التي تضمنها كتاب التكليف . فاستحقت بذلك برئيسها واعضائها عاطر الشكر والتقدير والاعتزاز ازجيه لها باسم الاسرة الاردنية جمعاء .

واني لاجدني اطيل وقوفي بينكم لافضي لكم وانتم نواب هذه الاسرة واعيانها ببعض ما يختلج في نفسي من مشاعر وما يدور في ذهني من افكار . وهي كلها وليدة هذه السنين من نضالنا المشترك وصدى لتطلعنا الى ما ينتظرنا في المستقبل من واجبات ومسؤوليات .

 لقد كانت تلكم السنين مليئة بالعبر والدروس وهي تترامى وراءنا لنلتفت اليها بين الحين والحين فنسعد بما استطعنا ان نحققه خلالها من مكاسب وانتصارات ، كذلك ينبغي ان نتأملها بمقدار لنخرج من اخطائها بما يجنبنا الوقوع في خطأ مقبل جديد . وأول ما احب ان اسجله لذلك الماضي اننا وقد كان علينا فيه ان نبني ونشيد فقد كان لا بد من الوقوع في الخطأ هنا او هناك . وان من حق اولئك الذين تشرفوا بخدمة هذا البلد ان ينالوا منا التقدير لخدماتهم وحتى لاخطائهم لان تلك الاخطاء تشكل اليوم طرفا من الضوء الذي تحمله ايدينا لتشق لنا طريق الكفاح المقبل ، بيسر وسرعة وسهولة .

لقد كان اهم الصعاب الذي اعترضت سبيل بلدنا فيما مضى انه نادى بالرسالة التي صاغتها ارواح الضحايا والشهداء من ابناء امتنا على مر العصور وانه آمن بتلك الرسالة وعمل لها بشرف وصدق وايمان ولم يكن ليقبل في نضاله وتصميمه ان يشتري النجاح على حساب الاخلاق ولا ان يفرط بالاسلوب استجداء لبلوغ الهدف ، فالحرية التي نادينا بها وننادي تتنزه عن ان تكون مجرد كلمة نلوح بها في المناسبات بينما هي في الحقيقة ضحية تسقط على الارض في الصباح والمساء والوحدة التي دعونا وندعو لها هي وحدة القلوب النابعة من اعماقها ، لا وحدة الحديد والنار او وحدة التسلط والارهاب ، انها ثمرة الايمان بالمصير الواحد المشترك والارادة الخيرة الواعية المتطلعة ، ابدا الى تحقيقها .

والحياة الافضل ما كانت في نظرنا ولن تكون دعوى نفلسف لها القول لنخدر به العواطف ولكنها واقع نجهد لبلوغه ونحرص على ان يعيشه كل فرد من اعضاء اسرتنا وابناء امتنا بعزة وكرامة . لقد كان يكفينا ان تقع النكبة الفلسطينية حتى تفيض ضمائرنا بكا ما عرفته الدنيا من نور واشراق وحتى تمتليء نفوسنا بكل ما في الانسان من توق الى العمل الصحيح والجهد الكريم . ولكن البعض ابو الا ان ينكبوا امتنا من جديد حين استغلوا ما اوقعته النكبة لدى الكثيرين من هزات نفسية يعقبها التخبط في السعي وراء الخلاص او التنصل من المسؤولية والفرار عنها الى بعيد والتقت تلك الخيوط بما كان لاولئك من رغبات واطماع مع ما كان الاجنبي يضع ويرسم من مخططات حتى كانت الحالة التي عرفتموها من الهستيريا السياسية العجيبة التي شملت ابناء امتنا في سائر ارجاء وطنهم الكبير .

وانني ان كنت آمنت دائما بأن هذا البلد قادر بجهد ابنائه وباصالة عروبتهم وصدق ايمانهم على الخروج بنفسه وبامته من دوامة الضياع تلك فانني اليوم مؤمن بذلك الايمان كله اكثر من اي يوم من الايام واني لارى سعيه لان يكون البلد النموذج الذي ينبغي ان يصير اليه وسيلته التي تسير للاخرين فرصة المقارنة بين ما بين ايديهم وما بين ايدينا فمن اسرتنا الاردنية وعلى ارضنا الطيبة الطهور وفي كل خطوة من خطواتنا في هذا الوطن الغالي يجب ان تتمثل المعاني الحقيقية والصور المشرقة للحرية الصادقة التي نؤمن بها والوحدة الصافية التي ندعو لها والحياة الافضل التي نصبوا لتحقيقها . واني لأؤمن بان سبيلنا الى ذلك كله ان نعيش بعمق اكثر معاني الاسرة الواحدة التي نكونها وان ننطلق بثقة واعتدال نحو ما نبتغيه ونصبو اليه . فما جنت امتنا حتى اليوم من تخبطها بين التطرف في الرأي والاسلوب وبين الجمود والقعود غير ما تعرفونه من حصاد .

واني لاتطلع الى تعاون خير صادق مثمر بينكم وبين السلطة التنفيذية من جهة وبينكم جميعا وبين اعضاء اسرتنا الكبيرة من جهة اخرى كحجر الزاوية فيما ينتظرنا في الغد من عمل وبناء . ومن خلال عملكم المشترك مع السلطة التنفيذية ارجو ان تقوم في ندوتكم النيابية تلك المعارضة البناءة التي تعمل لشحذ الهمة وتقويتها ودفع العجلة الى  الامام وتعبيد ما يترامى امامها من طريق . وهي لن تكون كذلك الا ان تنزهت عن الهوى والغرض وبرئت من المطمع والمرض ، والا اذا نبتت وانبثقت من واقع بلدنا الغني بالخير والطيبة وزكت عن ان يصلها بأي موثر خارجي سبب من قريب او بعيد .  كذلك احب ان ارى كل واحد منكم وقد احتوى الاسرة الاردنية كلها في عقله ووجدانه فلا عصبية تشده الى منطقة دون اخرى ولا قبلية تبلور احلامه في فئة معينة من الناس ذلك في نظري اساس لقناعتنا بان الخير لبلدنا هو خير لكل بلد عربي وان وقوفنا في وجه ما يعترضنا من صعاب لا يقل بحال من الاحوال عن وقوفنا في وجه الصعوبات التي تقوم في وجه أي جزء من اجزاء الوطن العربي الكبير .

انني ارى تطورنا الطبيعي المبارك في بلدنا يقترب من المرحلة التي تقوم فيها بين صفوفنا تشكيلات حزبية مباركة . واني بالقدر الذي ارحب فيه بقيام هذه التشكيلات واغتبط به لاتطلع الى نوعية تلك الاحزاب وطبيعتها قبل ان اتطلع الى عددها وموعد قيامها .

فانا اريد لتلك الاحزاب ان تنبثق اولا عن حاجة البلد الى تسابق ابنائه في سبيل بنائه وخدمة امته . ومن هنا فهي لن تكون عملية لاحد ولا مرتبطة بانسان خارجي خارج الحدود باي شكل وبأية صورة . فلقد عرفتم وعرف معكم اهلكم اعضاء الاسرة الاردنية مثلما عرف ذلك ذووكم ابناء الامة العربية ما اوقعته الاحزاب العملية والانتهازية من خراب ودمار في الصفوف وعرفتم جميعا كيف كانت تلك الاحزاب تتاجر بالشعارات والاهداف ولا تتورع حتى ان تمد ايديها الى اموال الشعوب تسرقها وتنهبها لتنزل بواسطتها المزيد من التصديع والتفريق في الشمل العربي باسره .

انا لا اريدها احزابا تتشاجن وتتباغض في سبيل ان تحكم ولكني اريدها احزابا تتسابق وتتبارز من اجل ان تخدم . ولا اريدها احزابا تتنابز بالالقاب او ترمي بسائر التهم كل من اختلف معها في الرأي والفكرة والاسلوب ولكني اريدها احزابا تعيش الاسرة كلها في قلوب اعضائها وتجعل من اختلاف الآراء والافكار والاساليب ميدانا لصراع نبيل شريف ، يجني وطننا الحبيب من خلاله اينع الثمرات .

ولست اريدها احزابا غوغائية تقتنص بالكلمة او الشعار المزيد من المؤيدين والانصار ، ولكني اريدها احزابا نموذجية تحمل كلمتها وشعارها كل ما تزخر به نفوس اعضائها من ايمان بهذا الوطن وحب لهذه الاسرة وتبني بالعمل الصحيح ، صروح المجد والكرامة للاردن ، والعرب اجمعين .

وكلمـة اخـيرة ، ايها الاخوة من الاعيــان والنـواب ،

لقد عشت ما تقضي من عمري حتى اليوم، في كفاح موصول، ذقت فيه من الاذى الكثير ، ووقفت خلاله وجها لوجه مع صنوف عديدة من الاخطار والاهوال وكنت طوال هذه السنين ، قرير العين ، براحتي الوجدانية العميقة ، هاديء النفس ، لثقتي بصحة مسلكي وشرف مسعاي ، فانا لم اكن لاؤمن يوما ، بحق الفرد في التسلط على المجموع ، حتى أبتني بيتي من حطام الكرامة اسلبها من اخوتي ولا من حجارة الحقد والبغضاء ازرعهما في النفوس . وانا ايضا لم يكن يهمني من حياتي الا ان ابذلها في سبيل بلدي وامتي ، وما كانت سعادتي الا

في رؤيتي لهما وقد بلغا اعلى مراتب الرقي والتقدم .

لقد آمنت دوما بأنني زائل ، وان البقاء لاسرتي الغالية وامتي العظيمة ولكم تسامحت بسبب ذلك ، حتى مع اولئك الذين لم يتورعوا عن ان يصيبوني بالضر والأذى ، او يرموني بالتعب والكدر ...

لقد عشت لكم ولامتكم ، وسأظل اعيش لكم ولامتكم ، طريقي مشرق بثقتي بوعيكم ، وساعدي قوي بمحبتكم ووفائكم . ونفسي منذورة ابدا ، لتحقيق رسالتكم العربية في الحرية ، والوحدة ، والحياة الافضل .

ولنبن هــذا الــوطن

ولنخـدم هـــذه الامـــة   

© 2017 مجلس الاعيان الأردني. جميع الحقوق محفوظة