خطاب العرش في افتتاح الدورة العادية الثانية لمجلس الأمة الأردني الخامس
نسخة للطباعةارسل هذه الصفحة

بسـم اللـــه الرحمــن الرحيـم

والصلاة والسلام على رسولـه الامين وآله وصحبه الاكرم

حضرات الأعيان ، حضرات النواب

اما بعد فاننا نفتتح باسم الله هذه الدورة العادية لمجلسكم الموقر في ميعادها الدستوري المعين ونحييكم اطيب تحية سائلين المولى عز وجل ان تكون دورتكم هذه مقرونة باليمن والاقبال وصادق الاعمال والتحسس بالمسؤولية التي تحملونها تجاه بلدكم والشعب الكريم في سبيل خدمة الوطن العزيز .

حضـرات الأعيان، حضرات النواب

لقد حقق هذا البلد المناضل بجهد ابنائه وتضحياتهم استقلاله الناجز وسيادته الكاملة بجلاء آخر قوات اجنبية عن ارضنا المقدسة قبل الوقت المحدد لجلائها رسميا فحققنا بذلك اماني كبارا وآمالا عظاما ما كنا لنحققها لولا اختيارنا الشرف والكرامة على فقر اليد وغنى الروح وشعور العزة على المهانة والذل .

وفي الاحتفال الذي اقيم لتلك المناسبة السعيدة في مطار المفرق اليوم الحادي والثلاثين من شهر ايار الماضي اعلنا للملأ كله باسم الاردن المجاهد انفكا كنا المؤبد من قيود السيطرة الاجنبية والتحكم بفضل ربنا وقدرة جيشنا ووفاء شعبنا فاصبح الاردن المجاهد سيدا حرا ينطلق في الآفاق البعيدة والاجواء الواسعة مندفعا بكليته لتحقيق الرسالة القومية التيحملها السنين الطوال دون ان يشكو نصبا ولا تعبا .

لقد نذر الاردن نفسه لامته ووطنه العربي الكبير فقدم القرابين والتضحيات الغالية وبذل الفداء تلو الفداء فلم تلن عريكته ولا وهن عزمه بل سار على طريق العزة والشرف في الطليعة دائما ، وفي مقدمة الصفوف ابدا . نعم لقد نذر الاردن الصابر المجاهد نفسه لامته الخالدة ووطنه العربي الكبير لان رسالته القومية السامية انما انبثقت من الثورة العربية الكبرى وانبعثت من مبادئها واهدافها فحمل الاردن لواءها وجاهد في سبيلها نحو التحرر المطلق والوحدة الشاملة لبناء كيان عربي مستقل كامل السيادة يرعى تراثنا القومي ويصون تقاليدنا العربية الاصيلة ويحافظ على مقدساتنا العزيزة .

حضرات الاعيان والنواب

لقد كانت سياستنا بالنسبة الى قضية فلسطين العزيزة التي هي قضيتنا الكبرى والاولى تقوم دائما على اساس نيل الحقوق العربية كاملة في هذا الجزء المغتصب من الوطن العزيز وعدم التفريط باي منها وفي مقدمة ذلك حق اللاجئين من قومنا في العودة الى ديارهم كما اننا نعلن تمسكنا بالسياسة التي رسمناها واصبحت سياسة الدولة الثابتة وهي ان قضية فلسطين انما هي قضية العرب جميعا لا يمكن ان تنفرد اية دولة بمعالجتها او تسويتها مؤكدين مرة أخرى ان خطوط الهدنة انها هي خط دفاعي عربي واحد وان الاعتداء على اي جزء منه هو اعتداء عليه بمجموعه .

وانه لمن دواعي اعتزازنا ان ننتهز المناسبة الحاضرة لنجدد العهد بان نبقى امناء لواجبنا في الدفاع عن الوطن العربي الكبير ازاء الخطر الصهيوني الرابض على حدودنا في هذا البلد المرابط الذي يقف وجها لوجه امام العدو المشترك على الخط الاول والاطول من خطوط الدفاع العربي مهما غلا الثمن وعزت التضحيات وان نؤدي واجبنا كاملا نحو القضايا العربية في شتى الميادين .

حضـرات الأعيان والنواب

بعد ان تخلص هذا الوطن العزيز من ربقة الاستعمار وحرر نفسه من السيطرة الاجنبية واخذ يبني الآمال الواسعة للسير الحثيث نحو تحقيق الاماني القومية ثارت في البلاد فتنة داخلية هوجاء كادت ان تعصف بالكيان وتقضي على كل ما كنا نعيش من اجله وما زلنا نحيا في سبيله لولا عناية الله القدير ووعي الشعب الكريم واخلاص الجيش الباسل وانه لمما يبعث في نفوسنا اشد الالم ان تكون تلك الفتنة العمياء قد تسللت غدرا على يد فئة من ذوي الضمائر الملتوية والعقول الطائشة اعماها الغرور وفتنتها سياسات الغدر والهتها عروض الدنيا عن شرف الدعوى فمضت مدفوعة بنزعة الدس والتآمر تحيك في الظلام حبائل الشر والتدمير مشتركة في ذلك مع اقران لها على شاكلتها بحيث عرضت حبل الامن الى الاضطراب والفوضى وعبثت بسيادة القانون والنظام فكان علينا ونحن نحمل مسؤوليتنا الكبرى امام الله والتاريخ بالمحافظة على مصالح شعبنا وتوفير اسباب الطمأنينة والاستقرار لمواطنينا الاعزاء ، ان نبادر الى قمع تلك الفتنة واعادة الامور الى نصابها وصيانة البلاد من البلاء الذي كانت ستردى فيه لو اتيح لتلك الاعمال الهدامة النجاح لا سمح الله ، وقد تألفت وزارتنا الحالية في تلك الظروف وعهدنا اليها بمهمة توطيد النظام واعادة الامن والعمل على انقاذ البلاد من شرور تلك الفتنة ولم تكن مسؤولياتها سهلة التحمل لولا ما يتحلى به اعضاؤها من اخلاص اكيد وتضحبة صادقة للعرش والبلاد وما يتصفون به من مزايا الحزم والشجاعة التي نقدرها لهم كل التقدير لذا ضحوا وجندوا انفسهم حين دعوناهم للمهمة الشاقة .

لقد تسلمت الحكومة الحاضرة مسؤولية الحكم اثر استقالة دولة رئيس الوزراء السابق الدكتور حسين فخري الخالدي الذي الف وزارته معتمدا على تأييد الاحزاب والهيئات السياسية ثم وجد في الايام القليلة التي تولى فيها المسؤولية انه لا يستطيع الاستمرار في الحكم بسبب سحب تلك الاحزاب والهيئات تأييدها له وما وضعته امامه من عراقيل وعقبات وتلاعب معيب لجأت اليه ، فجاءت الوزارة الحاضرة والبلاد يسودها جو من الارهاب والفوضى بدأت تكشف عن نفسها بالمظاهرات ومؤامرات التدمير والتخريب التي نظمتها تلك الاحزاب ومن يساندها ويظاهرها في الداخل والخارج من قوى الشر والهدم والعملاء والمأجورين الذين كانت الشيوعية تسخرهم جميعا لخدمة اغراضها وتنفيذ غاياتها الشريرة على حساب ضياع البلد وجعل مقدساتنا فريسة سهلة والقضاء على القومية العربية .

وفي هذا الجو المضطرب لم يكن امام الوزارة الحالية الا ان تلجأ الى الوسائل والتدابير الزاجرة مستهدفة انقاذ البلاد من حكم الفوضى وتوطيد حكم القانون حقنا للدماء وصيانة للطمأنينة العامة ومحافظة على الارواح والممتلكات فاعلنت الاحكام العرفية وقررت حل الاطراب السياسية وفرضت من القيود والاجراءات ما رأيناه ورأته ضروريا لسلامة البلاد ودفع الأخطار الاكيدة عنها ، واننا لنعلن واثقين انه لولا تلك التدابير والاحتياطات التي اتخذت من اجل مصلحة الشعب والوطن وحدهما لكانت الحالة قد آلت الى اضطراب داخلي ومذابح اهلية ومصير قاتم لا يعلم مداه وعواقبه الوخيمة الا الله .

حضـرات الأعيان والنواب

لقد كان من فضل الله ونعمته علينا ان اثمرت تلك الجهود المخلصة والاعمال المضنية التي قامت بها حكومتنا متمتعة بثقتنا وتأييدنا التام وبالتفاف الشعب حولها ويقظة الجيش وتقدير الجميع للخطر فامكن تأمين الهدوء والسكينة واستعادة الامن والاستقرار خلال مدة قصيرة ذاكرين بالتقدير والثناء للشعب الوفي الكريم تعاونه الصادق وتجاوبه الكامل مع اجراءات الحكومة وادراكه لمصلحته وخير بلده ، وكذا جيشنا الباسل الذي بقي يرقب الحدود وخطوط النار التي سهر عليها السنين الطوال في وجه عدو ماكر متحفز ، مما كان له أكبر الاثر في الوصول الى هذه النتائج الطيبة التي انتهت بدعوة مجلسكم الكريم الى الانعقاد في دورته العادية الحاضرة تنفيذا لاحكام الدستور وتمسكا بحرصنا على ان نصون حرمته من كل تجاوز .

حضـرات الأعيان والنواب

قد قامت حكومتنا رغم انهماكها في المهمة الرئيسية التي أخذت اكبر قسط من اهتمامها وجهدها بمعالجة النواحي الاخرى المتصلة بمصالح الشعب وكان اولها معالجة الوضع المالي للدولة واقرار الموازنة العامة للسنة المالية الحاضرة . وفي هذه الناحية واجهت الحكومة صعوبة كبرى لم يكن من السهل التغلب عليها حين وجدت ان الاحتياطي من اموال الخزانة المالية قد استنفذ كليا بحيث كان من هذه الايرادات في السنة المالية الحالية فقط وقد امكن التغلب على القسم الاكبر من هذه الصعوبة ولا يزال من الضروري تسوية العجز الواقع في الموازنة العامة بسبب تخلف الشقيقتين مصر وسوريا عن دفع حصتهما من الالتزامات العربية ونقضهما لاتفاق دولي وعهد عربي وواجب قومي قدس ، بامتناعهما عن تنفيذ اتفاقية التضامن العربي المبرمــة ، وذلك لتغطية نفقات الجيش العربي الأردني والقوات المسلحــة وسيترتب على مجلسكم الموقر ان يعالج هــذه القضية الخطيرة بالتعاون مع الحكومــة لايجاد الحل المناسب لها عندما يعرض عليكم قانون الموازنة العامة الذي كــان على الحكومــة ان تقرره كقانون موقت لصفــة الاستعجاليــة اثنـاء غياب مجلسكم المحترم .

قد وجهت الحكومة بذات الوقت عنايتها الى جهاز الموظفين فقامت بقدر ما سمح لها الوقت والظروف بتطهيره من عناصر الشغب والحزبية والمحسوبية واقامت الاسس الاولية لبناء هذا الجهاز على دعامات متينة تكفل تحسين احوال الموظفين وحماية حقوقهم ومستقبلهم وتوفير الاستقرار والطمأنينة لهم لضمان حسن خدمتهم وولائهم للدولة وان القوانين والانظمة اللازمة لهذه الغاية هي الآن في دور الاعداد وستعرض التشريعات المتعلقة بذلك على مجلسكم الكريم .

حضـرات الأعيان والنواب

ما كان الوضع الاقتصادي للبلاد الركيزة الاولى التي يعتمد عليها في صيانة استقلاله والمحافظة عليه كان من البداهة ان تولي كل حكومة هذا الموضوع بالغ عنايتها ، واقصى اهتمامها وعلى هذا فقد وجهت الحكومة الحاضرة وهي في غمرة مسؤولياتها المتشعبة قسطا كببيرا من جهدها لهذه الناحية وهي في غمرة مسؤولياتها المتشعبة قسطا كبيرا من جهدها لهذه الناحية فاصدرت قانونا مؤقتا بانشاء مجلس الاعمار وعينت لهذال المجلس نخبة من الاكفاء ذوي الاختصاص وباشر المجلس اعماله ونشاطه وبمقتضى احكام قانونه الخاص الذي سيعرض عليكم ايضا فان مجلس الاعمار الجديد هو الجهاز الاقتصادي الذي سيتولى تخطيط مشاريع الانماء الاقتصادي للبلاد والاشراف على تنفيذ هذه المشاريع وفق برنامج عام يهدف في نهايته القصوى الى تأمين الاكتفاء الذاتي تطبيقا للسياسة المرسومة . في ان يصبح هذا البلد مستقلا استقلالا اقتصاديا وفي غنى عن اية مساعدة خارجية كائنا ما كان لونها وشكلها ومصدرها . ومما يجدر ذكره بهذه المناسبة ان المسؤوليات التي وكل بها الى مجلس الاعمار قد وضعت حدا لتعدد الاجهزة والدوائر التي كان يعهد اليها سابقا بمعالجة المشاريع الاقتصادية الكبرى على اسس مرتجلة فحصرت جميع هذه المسؤوليات بمجلس الاعمار واتخذت التدابير اللازمة لتمويل تلك المشاريع من الاموال الخاصة التي رصدت لها في موازنة الدولة . وانه ليسرنا ان نذكر هنا ان العمل يسير قدما في عدد من هذه المشاريع الرئيسية كانشاء الميناء الكبير في العقبة والطريق الصحراوي ومشروع الفوسفات بالاضافة الى ما تم احرازه من تقدم بارز في الخطوات لتنفيذ مشروع البوتاس واقامة مصفاة البترول وغير ذلك من الاعمال والمشاريع الأخرى التي ستقدم اليكم المعلومات الكافية عنها من قبل الحكومة . كما ان العمل في البحث والتنقيب عن البترول من قبل الشركة صاحبة الامتياز يسير حسب برنامجه المقرر . وبهذه المناسبة يسرنا ان ننقل الى مسامعكم ان الحكومة قد اتخذت الاجراءات الاولية لمنح امتياز آخر للتنقيب عن البترول ف القسم الثاني من الاقسام الثلاث التي قسمت اليها المملكة لاغراض التنقيب . وبالاضافة الى ما تقدم بذلت الحكومة جهودا مشكورة في تشغيل الايدي العاملة تخفيفا للبطالة ونشطت الدوائر المختصة في شق الطرق وتنفيذ المشاريع العامة التي رصدت لها المخصصات في موازنة الدولة . وكذلك عملت الحكومة على نقل مجلس النقد الأردني الى عمان التي ستكون مركزه الرئيسي بعد اليوم واعادت تشكيل هذا المجلس على اساس وطني مستهدفة بذلك الى انشاء مصرف مركزي للدولة يتولى شؤون النقد ومعاملات الحكومة المالية .

حضـرات الأعيان والنواب

ان ما تتحمله بلادنا العزيزة من تبعات ومسؤوليات بالنسبة الى قضية فلسطين وازاء الخطر الصهيوني الذي نقف واياه وجها لوجه دفاعا عن امة العرب في شتى اقطارها وامصارها يفرض علينا مضاعفة الجهد وتوجيه الاهتمام الزائد الى شؤوننا العسكرية وحاجاتنا الدفاعية وذلك بالعنايةالتامة بجيشنا الباسل ، وحشد الامكانيات لتقويته وتجديد اسلحته وتعزيز الحرس الوطني بحيث تتكامل قوى البلاد بشكل يدفع عنها العاديات ويمكنها من الدفاع عن كيانها وحدودها ومن الاستمرار في تأدية هذا الواجب دفاعا عن العروبة باجمعها . وتحقيقا لهذه الغايات القومية رحبنا بالمساعدات العسكرية غير مقيدة ولا مشروطة ، لتأمين اسباب القوة والمنعة لجيشنا الذي كان ولا يزال مضرب الامثال في مستواه الرفيع وتدريبه العالي وبسالته وقدرته ، ولتزويده بالسلاح الحديث ليحتفظ بمزاياه العسكرية والدفاعية وليبقى في مقدمة الجيوش العربية كفاءة وعدة وسلاحا واما السياسة الخارجية لحكومتنا فهي امتداد لا ينقطع لسياسة الدولة التقليدية الثابتة والمنبثقة عن مباديء النهضة العربية التي حمل بيتنا الهاشمي لواءها طوال نصف القرن الحالي والتي كرسنا حياتنا ونذرنا انفسنا للعمل في سبيلها وتحقيق اهدافها في الوحدة الكبرى وخدمة القومية العربية خدمة خالصة لوجه الله والوطن ، بعيدة عن الانانية غير متوانين ولا مترددين في بذل النفس والنفيس لخير امتنا واعلاء شأنها حتى نصل الى ما نصبو اليه من عزة ومجد وكرامة .

واما علاقاتنا الدولية فهي مرتكزة على مبدئنا الذي نتمسك به بمصادقة من يصادقنا ومعاداة من يعادينا ، نحارب الاستعمار والسيطرة الاجنبية ايا كان لونهما وشكلهما ونحرص على استقلالنا وحريتنا ، غير مترخصين في خطتنا القومية ، مؤكدين سياستنا التي طالما اعلناها ورددناها بعدم الانضمام الى اية احلاف اجنبية ولا الخضوع لاية مباديء دخيلة علينا او الارتباط باية سياسات لا تتفق مع مصلحتنا الوطنية والقومية ، كما نؤكد حرصنا على ان تقوم العلاقات بيننا وبين سائر الدول جميعها على اساس المساواةالتامة واحترام حقوق السيادة .

حضـرات الأعيان والنواب

اننا اعتمادا على ما نقدره ونأمله من اخلاصكم لبلادكم وحرصكم على مصلحة امتكم ووطنكم لنأمل ان تقوم السلطتان التشريعية والتنفيذية بواجباتهما بما ينسجم مع هذه الغايات المنشودة وان يتحقق التعاون الفعلي والتآزر الصادق بينهما لخدمة البلاد والسهر على مصلحتها مؤكدين اننا سنكافح لتحقيق اهدافنا مهما واجهنا من صعاب لنبني بلادنا البناء المتين ، خالية صفوفنا من دعاة الهدم والفوضى وضعاف النفوس ونؤدي واجبنا القومي على الوجه الاكمل معتمدين على الله وعلى انفسنا مهما طال الطريق . اقوياء في الحق وفي الدفاع عن الحق، وسائلين المولى وجل ان يهدينا جميعا سواء السبيل وان يأخذ بيدنا الى ما فيه الخير والبركة والتقدم والازدهار لهذا الشعب الكريم والوطن العزيز ، انه سميع مجيب .

© 2017 مجلس الاعيان الأردني. جميع الحقوق محفوظة