خطاب العرش في افتتاح الدورة العادية الثانية لمجلس الأمة الأردني الأول
نسخة للطباعةارسل هذه الصفحة

خطاب العرش السامي عام 1948م
في حفــلة افتتاح الدورة العادية الثانية
لمجلــس الأمـــة الاردنــي الاول

الموافق الأول من تشرين الثاني لسنة 1948 ميلادية

حضرات الاعيان والنواب

احمد الله على آلائه واصلي واسلم على محمد وآله وسائر رسله وانبيائه واصفيائه اما بعد فهذا اول مجلس يفتتح في دورته العادية والبلاد في جهاد في جزء مقدس من الوطن العزيز لقد انتهت الحرب العظمى الاولى بانتداب على البلاد جعلتها مجزأة غير متحدة ولقد جرت هذه التجزئة الشتات والمتاعب واننا في جهادنا اليوم على عزم اكيد نحو السلامة من الشرور ثم الوئام بيننا لا الخصام.

ان ليوم 15 أيار اسما خالدا في التاريخ فهو اليوم الذي جلت فيه جنود الدولة المنتدبة عن فلسطين وتحملت الدول العربية فيه واجباتها نحو ذلك البلد الشقيق ضد من ادعى به وشارك اهله فيه وهم على غير استعداد والامة العربية قد اخذت فجأة وعلى غير اهبة سوى الحق والعزيمة والاقدام . الا لا يهولنا التأخير ولا الاعتداء على اهل المدن الآمنة المسالمة غير المسلحة بالشكل الذي شاهدناه وان علينا ان نصير ونصابر ونستعد ونثابر بلا وهن ولا ضعف ولا تخاذل . واننا لنذكر هنا جهاد الجيش المصري الباسل بما كابد من ظروف دقيقة في شهر تشرين الاول وجهاد الجيش العربي الاردني في القدس الشريف وفي الميدان المركزي - ذلك الجهاد الموفق الذي يستحق الشكر لله سبحانه وتعالى والثناء عليه وطلب المزيد والتوفيق من فضله . كما نذكر جهاد كل عراقي وكل نجدي ويمني وكل سوري ولبناني رمى بنفسه وبما يملك حكومة وشعبا في هذا الميدان الذي تواجهه الامة العربية في أول عهدها الاستقلالي آملين من الله سبحانه وتعالى التوفيق . وانا لمن امة تعرف للاوطان قيمتها وللشرف ميزاته وللرجولة واجباتها محيين في هذا الميدان اصحاب الجلالة والفخامة الملوك والرؤساء مطرين الجامعة العربية في هذه الطريق الوعرة خير اطراء مؤملين النجاح في اعمالنا والاخاء في صفوفنا ومن الله التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل .

وانه لم يكن بين الدول العربية اي اختلاف فيما كانت عزمت عليه من توحيد المساعي حتى تفي بما وعدت وتقوم بما تعهدت به . وانا وان كنا لم نوافق على حكومة فلسطينية في غزة فان هذا ليس هو بالخلاف الجوهري ولكنه خلاف في الوقت . ولا بد لفلسطين من حكومة غير ان تلك الحكومة يجب ان تتكون برغبة غالبية اهلها وهم احرار سادة ساكني الجأش وعلى أحسن ما يكون من تفكير ومن نضوج رأي والا تقطع عليهم الطريق بفرض حكومة لاتمثلهم تمثيلا صحيحا ولم يختاروها بالطريق القويمة .

ولقد كانت زيارتنا لحضرة صاحب الجلالة الملك فاروق زيارة موفقة للغاية تلتها بعد ذلك زيارة لحضرة صاحب الجلالة السعودية تأسست فيها اواصر المودة والاخاء بشكل يرضي الجانبين والشعبين . ثم كانت زيارتنا لحضرة صاحب السمو الملكي الوصي في بغداد للتفاهم على ما ينغي عمله بين الجيشين الشقيقين وان الحكومة المتمعة بكامل ثقتها - فضلا عما تمكنت من القيام بما قضت به الضرورات الحاضرة من تهيئات عسكرية - استطاعت ان تقوم بالاعمال التي ستسرد عليكم بايجاز .

ففي مجال السياسة الخارجية توفقت الحكومة لعقد معاهدة جديدة مع حليفتنا بريطانيا العظمى تتفق وما للبلاد من حق السيادة والاستقلال وتضمن مصلحة الفريقين المتعاقدين على مبدأ التساوي في الحقوق والواجبات كما واصلت السعي لتنمية علاقاتها الدولية فاتمت تبادل التمثيل السياسي مع الهندستان والباكستان والجمهورية الافرنسية والمملكة العربية السعودية واشتركت في كثير من المؤتمرات الثقافية والاقتصادية والسياسية . وان مناسباتنا مع الدول المحبة لنا لعلى خير ما يكون وانني حامد لله سبحانه وتعالى على توفيقه في كل هذا .

وفي الشؤون الداخلية فان الحكومة ما كادت تفرغ من معالجة الازمة المتسببة عن رداءة الموسم الزراعي في العام الماضي حتى اعترضتها قضية اللاجئين من اخواننا عرب فلسطين الاعزاء الذين قدموا هذه الديار على نطاق واسع فقامت بتحضير المساكن وانشاء المخيمات لهم وتوزيع المواد الغذائية عليهم وسهلت لهم سبل الكسب وساوتهم بابناء البلاد الاصليين في كثير من الحالات . والحكومة تدرك ان انتاج البلاد الزراعي في الموسم الحاضر لم يكن من الجودة بحيث يسد حاجة السكان ولذلك فانها تبذل كل الجهد في سبيل اكمال هذا النقص .

أما في الناحية المالية فقد قررت اعفاء المكلفين من قسم وافر من الضرائب عن السنة المالية الحالية بسبب رداءة الموسم الزراعي كما انها اتخذت الاجراءات اللازمــة لاصدار عملة جديدة خاصة بالمملكــة الاردنيــة الهاشمية وسيعرض على مجلسكم الكريم القانون الخاص بذلك , وعلى الرغم من المسؤوليات المالية التي واجهتها البلاد بسبب الاحوال في فلسطين العزيزة فان وضع الموازنة العام ظل بتوفيق الله سليما . وكانت الحركة التجارية في هذا العام اكثر نشاطا من العام الماضي مما ادى الى زيادة محسوســة في واردات الجمارك وفي الاستيراد والتصدير , ولقد اسست دوائر زراعية رئيسية في الالوية وبوشر بتنظيم اعمال مكافحة الاوبئة الزراعية والحيوانيـة في المستنبتات القديمـة والمحدثة وزرعت كميات كبيرة من اغراس النخيل والفواكه المختلفة المحسنــة بغية توزيعها على الاهلين . واستؤنفت عملية توزيع حبوب الاكثار لمساعدة الفلاح وتحسين البذار وواصلت دائــرة الاراضي اعمال التسويــة والمساحة في اراض تجـاوزت مساحتهــا نصف مليون من الدونمات واستمرت في تنظيم امـور الري في الاغوار والاوديــة وفي قسم الحراج وضع مشروع لغرس اشجار سريعـة النمو في الجهات الصالحة لذلك كما تم شراء جميع خطوط الجيش البريطاني السلكية وبذلك ستصبح هذه الخطوط جزءا من شبكة خطوط البلاد العربية التي تقرر ان تكون عمان نقطة الاتصال الهاتفي والبرقي بينها .

وكانت الحالة الصحية بفضل الله ورغم تزايد السكان بسبب اللاجئين جيدة وقامت الجهات الصحية بعمليات التطعيم ضد الامراض السارية واتمت توسيع المستشفى الجراحي كما اشرفت على انشاء مستشفيات جديدة وعيادات طبية اضافية . وقد استطاعت وزارة المعارف بفضل زيادة موازنتها ان ترفع مستوى المدارس الثانوية للذكور والاناث وان تحدث مدارس قروية جديدة وتنهض بسائر المدارس الاولية والابتدائية وان ترسل بعثات علمية الى الجامعات المختلفة . وقامت مصلحة الاشغال العامة بادخال تحسينات على شبكة الطرق بالقدر الممكن فضلا عن صيانتها في كافة الجهات . واتمت بناء الديوان الملكي الهاشمي وبعض دور الحكومة وباشرت انشاء مدرسة ثانوية كاملة في العاصمة .

ويسرنا ان يكون الجيش العربي الاردني قد ازداد عدده واحسن تدريبه وتنظيمه وكثرت بعثاته وانشىء فيه سلاح للطيران واضيفت اليه الكتيبة الملكية الممتازة ونحن حين نذكر جيشنا تطالعنا صفحة مشرفة من اعمال البطولة في ميدان الشرف وساحات المجد وانه لقمين بالشكر وجدير بالتقدير .

حضـرات الاعيان والنواب

لقد استدعى الوضع الراهن في فلسطين اتخاذ الترتيبات اللازمة من اجل استمرار الحياة العادية في المناطق التي يشغلها الجيش العربي الأردني فيها وعلى هذا فقد وضعت الحكومة موازنة خاصة تضمن اعادة الجهاز المدني الى تلك الربوع وتوفر للناس سبل الامن والاستقرار .

© 2017 مجلس الاعيان الأردني. جميع الحقوق محفوظة